نحو 149 دولة حول العالم، أعلنت رسميًّا اعترافها بدولة فلسطين، في محاولة للضغط باتجاه حل الدولتين، وضمن ما عرف مؤخرا بإعلان نيويورك، غير أن التهديدات الإسرائيلية بضم ما نسبته 82% من مساحة الضفة، تقف حجر عثرة أمام قيام دولة فلسطينية متماسكة وكاملة السيادة.
وتسارع حكومة الاحتلال، عبر دوافع استيطانية متعاظمة، بقضم يومي ومتسارع للأراضي الفلسطينية، وتوسيع المستوطنات، لتغدو جدارا مانعا قد يجهض ولادة الدولة الفلسطينية المنشودة.
وتشير معطيات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، إلى أن عدد المستوطنين في الضفة الغربية بلغ حتى نهاية عام 2024، نحو 770 ألفا، موزعين على 180 مستوطنة و256 بؤرة استيطانية، بينها 138 بؤرة تصنف على أنها رعوية وزراعية.
ومع توالي اعترافات الدول بفلسطين، يبرز سؤال إلى السطح: هل سيكون ذلك مجرد قفزة سياسية في الهواء، أم يمكن أن ينعكس حقيقة على الأرض؟
إعلان نيويورك
وقبل أيام، صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة، على مشروع قرار يؤيد إعلان "نيويورك" بشأن تنفيذ حل الدولتين، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة، حيث صوتت لصالح القرار 142 دولة، مقابل 10 دول صوتت ضد القرار، فيما امتنعت 12 دولة عن التصويت.
وعقد بنيويورك، في يوليو/ تموز الماضي، مؤتمر دولي رفيع المستوى، لتنفيذ حل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية مستقلة، برئاسة مشتركة بين السعودية وفرنسا، نتج عنه ما أصبح يعرف بـ "إعلان نيويورك".
ويتضمن "إعلان نيويورك" الاتفاق على "العمل المشترك لإنهاء الحرب في قطاع غزة، والتوصل إلى تسوية عادلة وسلمية ودائمة للصراع الإسرائيلي الفلسطيني بناء على التطبيق الفعال لحل الدولتين، وبناء مستقبل أفضل للفلسطينيين والإسرائيليين وجميع شعوب المنطقة".
ووسط الاعترافات المستمرة، يقف الدعم الأمريكي اللا محدود لدولة الاحتلال، حاجزا أمام تحقق الآمال الفلسطينية بالدولة المنشودة، وتكرار رفض الاعتراف بها، كونها، كما يزعم الأمريكان ومن قبلهم الإسرائيليون، بأنها خطوة أحادية الجانب.
وقد تعزز الرفض الأمريكي للدولة، بعدم منح الرئيس محمود عباس وقيادات في السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير، تأشيرات عبور للمشاركة في جلسة الأمم المتحدة الخاصة بالدولة الفلسطينية، والمقرر عقدها اليوم الثلاثاء.
ومن أصل 193 دولة عضوا بالمنظمة الدولية، يعترف 149 بلدا على الأقل بالدولة الفلسطينية، التي أعلنتها القيادة الفلسطينية في المنفى عام 1988.
خطوة سياسية مهمة
ويرى محللون سياسيون أن نيل الاعتراف بالدولة؛ خطوة رمزية ومعنوية وسياسية مهمة، باعتبار أنها تشكل اختراقًا لجدران بعض الدول الأوروبية الداعمة لـ "إسرائيل" منذ قيامها، ويتم البناء عليها في قادم الأيام، مع تصاعد الرفض الشعبي والجماهيري للسياسات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، واستمرار حرب الإبادة في قطاع غزة.
ويعتقد المحلل السياسي عطية جوابرة، أن الاعتراف المتوقع سيبقى معنويا، على الرغم من أهميته التي تمثل الاختراق لجدران بعض الدول الأوروبية المعروفة بدعم "إسرائيل"؛ مثل فرنسا وهولندا وحتى بريطانيا، حيث بدأ جمودها يتكسّر، وتمثل خطوة جيدة على الطريق.
ويعتبر جوابرة في حديث خاص بـ وكالة سند للأنباء، أن المواقف الإسرائيلية والأمريكية المشتركة، تمثل المعيق للإعلان العالمي وترجمته، مشيرًا أن المواقف الغربية لا تعدو كونها "تكتيكًا"، فبريطانيا هي من وقفت خلف وعد بلفور سيئ الصيت، والسؤال: كيف توافق على كيان فلسطيني لجانب "إسرائيل" تراه الأخيرة عدوًّا لها ويهدد مصالحها ووجودها واستقرارها؟!
ويردف جوابرة: الاعتراف الغربي المتوقع بالدولة الفلسطينية يأتي في سياق التغيرات العالمية من الحرب الروسية الأوكرانية، وخشية من تغيرات قادمة في المشرق، ما يشير لخطوات غربية لحرف المسار القادم عن روسيا والصين.
ويعتقد أن هناك رهانًا ما على حدوث تغيير في نظام الحكم داخل "إسرائيل"، لكنه لن يكون في القريب العاجل.
من جهته، يرفض المحلل السياسي سليمان بشارات اعتبار الاعتراف الدولي بالقفزة السياسية في الهواء، بل يرى أنها إقرار عالمي بأن للفلسطيني حقًّا يحظى بالاعتراف، ولم تعد فيه السردية الإسرائيلية هي المسيطرة، وأنها هي فقط من تقرر مستقبل الوجود الفلسطيني.
ويقول بشارات لـ وكالة سند للأنباء، إن الفلسطيني يمكنه استخدام الاعتراف كخطوة سياسية أمام العالم والمؤسسات الدولية، ومحاكمها المنظورة، حول حق الاعتراف بالدولة وتعزيز ذلك على الأرض.
نواة حقيقية لتغيير السياسات
وعلى صعيد العمل الجماهيري والشعبي الدولي، يعتقد بشارات أنها تمثل النواة القوية للأنظمة الحاكمة والضاغط عليها لتغيير سياساتها حتى في المستقبل البعيد، مقابل فقدان الاحتلال جزءًا حيويًّا ومهمًّا من التأييد الغربي له.
ولا يغفل بشارات ملكية الاحتلال الإسرائيلي، للقوة الأمنية والعسكرية في ميدان الضفة، وتأثيراته على الإقليم، يضاف إليها القوة السياسية الداعمة في الأمم المتحدة ومجلس الأمن، والعصا الأمريكية المشهرة في وجه الحقوق الفلسطينية، عبر حق النقض "الفيتو" وغيرها من الأدوات المؤثرة.
وعلى الرغم من الرمزية في الاعتراف الدولي، كما يرى بشارات، إلا أن الاحتلال يخشى من تحول التغيير الشعبي الغربي، نحو إحداث تغيير رسمي وجذري للأنظمة.
ويشير إلا "عدم استبعاد قدرتنا كعرب ومسلمين، في استثمار الاعتراف والتغير الغربي، نحو الضغط على الولايات المتحدة، ودعم الدولة الفلسطينية المنتظرة".
خطوة غير كافية
متفقًا مع سابقيه، يرى الكاتب والمحلل السياسي سامر عنبتاوي أهمية خطة الاعتراف بالدولة الفلسطينية، لكنه يعتبرها خطوة غير كافية، في البعديْن السياسي والمعنوي العام، لبناء الدولة المتعارف على مقوماتها وعناصر وجودها وحضورها.
ويؤكد عنبتاوي لـ وكالة سند للأنباء، أن الاعترافات المتوالية، تمثل تقدمًا في الموقف الأوروبي، باتجاه إعطاء الفلسطيني حقه ومطالباته بدولة تتفق والقانون الدولي وشرائعه، إلا أنها غير كافية في ظل إجراءات إسرائيلية متواصلة، بمنع إقامة الدولة المتواصلة، وجنون الاستيطان وضم الأرض وإقامة مشروع إي 1، الذي يفصل الضفة الغربية عن بعضها، عدا عن السيطرة على الموارد المالية والاقتصادية، كخطوات مبكرة للرد على الاعتراف.
ويرى عنبتاوي أن المطلوب عالميا هو اتخاذ مواقف داعمة للحق الفلسطيني وفرض عقوبات على الاحتلال الإسرائيلي، ورفع كلفة ممارساته وجرائمه وخطواته، وعزل "إسرائيل" والولايات المتحدة.
ويختم عنبتاوي حديثه بأن الاعتراف وحده؛ دون وجود إمكانيات على الأرض، يمثل مجرد إرضاء للشعوب الرافضة لمسار "إسرائيل" وسلوكها واحتلالها، وأنه استجابة لضغوطات محلية أوروبية، لافتًا أن ذلك يجب أن يرتقي أكثر، نحو منح الفلسطينيين حقوقهم، ووضع حد لجرائم "إسرائيل" وإنهاء الاحتلال.
