أبرزت صحيفة الغارديان البريطانية أنه قبل ساعات من انطلاق الهجوم البري على مدينة غزة، رسم بنيامين نتنياهو لإسرائيل ملامح مستقبل يستند إلى العسكرة المتزايدة والاعتماد الاقتصادي الذاتي الجزئي، ودعا إلى أن تصبح "سبرطة عظمى" في الشرق الأوسط.
وقالت الصحيفة إن هذه الرؤية، التي تُغري أنصار نتنياهو بمنطق "التحصّن والاكتفاء"، قوبلت داخليًا بموجة انتقادات خشيت أن تجرّ البلاد إلى وضع "الدولة المنبوذة" سياسيًا واقتصاديًا.
عسكرة أعمق واقتصاد أكثر انغلاقًا
في خطاب متشدد، قدّم نتنياهو وصفة لمرحلة ما بعد الحرب: تقليص انكشاف الاقتصاد على الخارج، توسيع الإنتاج المحلي، وتكييف المجتمع ليتحمل كلفة أمنية وعسكرية طويلة الأمد.
عمليًا، يعني ذلك تفضيلًا لخيارات تصنيع وتسليح محلية، وإعادة توجيه الموارد العامة نحو الأمن والدفاع على حساب بنود النمو والرفاه.
في المقابل يخشى منتقدوه أن يترجم هذا التحول إلى تدهور في القدرة التنافسية، وارتفاع كلفة المعيشة، وتراجع الاستثمار الأجنبي، خصوصًا مع اتساع المقاطعات والقيود الغربية المحتملة.
سياق دولي يزيد العزلة
جاء خطاب "السوبر سبارتا" بالتزامن مع نشر لجنة تحقيق تابعة للأمم المتحدة تقريرًا خلُص إلى أن إسرائيل ترتكب "إبادة جماعية" في غزة، ومع استعداد المفوضية الأوروبية لبحث تعليق جزء من اتفاق التجارة مع دولة الاحتلال، إلى جانب تمدّد موجة الاعترافات الأوروبية بدولة فلسطين.
في الوقت نفسه، تتراكم مؤشرات على تشوّه صورة (إسرائيل) عالميًا: دعوات لمقاطعة فعاليات ثقافية، وتزايد حوادث الاحتكاك مع سائحين إسرائيليين، واتساع حملات احتجاج في عواصم غربية. كل ذلك يرفع كلفة الانغلاق الذي يبشر به نتنياهو، ويجعل "الاكتفاء الذاتي" أقرب إلى وصفة خسارة أسواق لا بدائل فورية لها.
وقد انعكس الخطاب سريعًا على المزاج الاقتصادي: هبوط حاد في بورصة تل أبيب وتراجع في سعر الشيكل. أصوات من قلب المؤسسة الاجتماعية والاقتصادية حذّرت من الطريق المطروح؛ رئيس "الهستدروت" شدد على أن المجتمع "منهك" وأن (إسرائيل) "تستحق السلام لا سبرطة".
بموازاة ذلك قدّر عشرات الاقتصاديين البارزين خسائر بمليارات الشواقل، محذرين من أن حرب استنزاف طويلة وهدم واسع في غزة يمثلان "تهديدًا لأمن الدولة وقدرتها على الصمود الاقتصادي" وقد يهبطان بها عن مصاف الاقتصادات المتقدمة.
في الصحافة الإسرائيلية، استُخدمت الاستعارة السبرطية نفسها ضد نتنياهو: الإشارة إلى أن سبرطة، برغم أسطورتها القتالية، انتهت إلى الفناء. هذه القراءة ترى في "عقلية الحصار" وصفة لتآكل الطبقة الوسطى، وهجرة العقول ورأس المال، وتآكل ثقة الشركاء التجاريين.
السياسة تحكم الاقتصاد
يربط خصوم نتنياهو في المعارضة تشدد الخطاب بمحاولة إطالة أمد الحرب وتأجيل الانتخابات، ويرون في "السوبر سبارتا" غطاءً أيديولوجيًا لإبقاء التحالف الحاكم متماسكًا مع اليمين الديني والقومي، وإبعاد الاستحقاقات القضائية التي تلاحق رئيس الوزراء.
على الجانب المقابل، يرحّب شركاؤه الأكثر تشددًا بعقلية "الدولة المحاصرة"، لأنها تضيّق فرص التسوية وتقلل هامش التأثير الخارجي على مشروع "إسرائيل الكبرى".
خارجيًا، ما يزال الرهان الإسرائيلي على دعم واشنطن أساسيًا. لكن اتساع الهوة مع أوروبا، وتزايد الحساسية في الرأي العام الغربي، يطرحان سؤال الاستدامة: إلى أي مدى يمكن الاستمرار في حرب طويلة ومكلفة بينما تتقلص المظلة الدبلوماسية وتتصاعد الضغوط القانونية والاقتصادية؟
"اكتفاء" محفوف بالمخاطر
اقتصاديًا، يواجه مسار "الاكتفاء الذاتي" ثلاثة تحديات كبيرة:
هيكل السوق المحلي: حجمه لا يكفي لتعويض فقدان منافذ التصدير المتطورة، ما يهدد قطاعات التكنولوجيا والدواء والدفاع التي ازدهرت بالاندماج العالمي.
كلفة التمويل والمخاطر: ارتفاع علاوات المخاطر مع تراجع التصنيف أو اتساع المقاطعات يرفع كلفة الدين العام والخاص، ويضغط على الاستثمار والإسكان والتشغيل.
سلاسل الإمداد: إعادة توطين إنتاج معقّد خلال فترة حرب وعقوبات جزئية يضاعف الكلفة، ويحتاج سنوات وبنية تحتية مؤسسية غير متوفرة بالكامل.
هنا تتقاطع السياسة والاقتصاد: كل خطوة إضافية نحو العزلة تضيق خيارات التكيّف وتدفع نحو مزيد من العسكرة، ما يعيد إنتاج الحلقة المفرغة التي يحذر منها الخبراء.
بين الأسطورة والواقع
تعِد "السوبر سبارتا" بجبهة داخلية صلبة واقتصاد لا يعتمد إلا على نفسه. لكن الواقع يُظهر أن إسرائيل، على مدار عقود، بنت قوتها على الانفتاح: جامعات متصلة بشبكات بحث عالمية، وقطاع تكنولوجي يعتمد على الاستثمار الأجنبي، وتجارة كثيفة مع أوروبا وأميركا وآسيا. إدارة ظهرٍ مفاجئة لهذه المنظومة ليست مجرد "تحوّل استراتيجي"، بل قفزة في الظلام.
وخلصت الصحيفة إلى أن رؤية نتنياهو تُحوّل "الاستثناء الأمني" إلى عقيدة دولة دائمة، وتدفع نحو عسكرة المجتمع وتقليص اندماجه في الاقتصاد العالمي.
إذ داخليًا، تهدد الطبقة الوسطى والاستقرار المالي؛ خارجيًا، تفاقم عزلة تتغذى على تقارير أممية وضغوط أوروبية ورأي عام متغير.
وبين أسطورة سبرطة وواقع أسواق القرن الحادي والعشرين، تبدو دولة الاحتلال أقرب إلى اقتصاد محاصر يستهلك قدراته على المدى الطويل بدلاً من أن يعزّزها.
