في قلب الريف الغربي لمدينة رام الله وصولاً لمجمع "أريئيل" الاستيطاني شمالًا، يقود المستوطن المتطرف "اليشع يرد" مسارات شبابية من المستوطنين وفتيان التلال، تحمل الوجه الآخر و"الناعم" لضم الأراضي الفلسطينية، التي تصنف في معظمها مناطق "أ" خاضعة لسيطرة فلسطينية خالصة.
وأطلقت وزارة التعليم الإسرائيلية، الأسبوع الماضي، ما قيل إنها مبادرة جديدة لتنظيم رحلات مدرسية، تحت عنوان "مسارات التوراة"، وتُقام في أنحاء الضفة الغربية يضاف إليها إعلان وزارة خارجية الاحتلال، أنها أقرت يومًا ترفيهيًّا لموظفيها في مستوطنات الضفة.
وزعم المستوطن "يرد" في مقال نشره في أعقاب الجولة شمال غرب رام الله، أن ردود فعل أهالي القرى على مشاهدة المستوطنين في أراضيهم وبين منازلهم، تراوحت بين الصدمة والإحراج، وأن قليلًا منهم ممن وقفوا على قمة الجبل وسبّوا وصرخوا، لكن الباقين اكتفوا بالمشاهدة بدهشة من المشهد.
ويضيف في مقاله: نظمنا رحلة تعزيزية في قلب "إقليم بنيامين" للفتيان والنشطاء من التلال ومزرعة "شوبال" قرب مستوطنة "بروخين" وحتى مفترق الشرطة البريطانية، مسار جمع عارورة من الشمال الغربي إلى الجنوب الشرقي، هذا المسار لم يُختَر عبثاً، ما يقارب 25 كيلومتراً في أرض جبلية لتعريف الشبان بأحد الأهداف المقبلة، وهو الاستيطان في قلب الدولة الفلسطينية المخطط لها، من أريئيل حتى بيت إيل.


ويتابع موجهًا الحديث للمستوطنين: "(كل موضع تدوسه أقدامكم سيكون لكم)، هذه الآية ليست مجرد وعد لشعب إسرائيل، بل هي توجيه إلهي لكيفية نجاحنا في التمسك بأراضي البلاد التي مُنحت لنا."
ونشط مئات المستوطنين مؤخرًا، في جولات ومسارات في شمال الضفة الغربية بمناطق الفارعة ووادي الباذان وتلال عسكر ومنطقة جبل عيبال الشرقية، يضاف إليها الحضور المتزايد والمماثل في الأغوار الشمالية كاملة، وبسط الهيمنة على ينابيع المياه الغنية فيها، بذات أبعاد مسارات التوراة وأهدافها.
وجه جديد للاستيطان
ويعتبر مسؤول هيئة الجدار ومواجهة الاستيطان بشمال الضفة الغربية، مراد اشتيوي، أن "مسارات التوراة" تمثل وجهاً جديداً من أدوات الاستيطان ونهب الأرض وخطط الضم، وفرض سياسة الأمر الواقع على أراضي الدولة الفلسطينية.
ويبين لـ وكالة سند للأنباء أنه تمت مصادرة 26 ألف دونم خلال العام 2023، بأوامر عسكرية وبذريعة التدريبات العسكرية، أو إقامة الأبراج والطرق الأمنية .
ويقول اشتيوي إن المسارات المذكورة تجد حضوراً لها في السيطرة على ينابيع عين الساكوت بالأغوار الشمالية قرب الحدود الأردنية الفلسطينية، وعشرات الينابيع فيها ومصادرة المحميات الطبيعية تحت غطاء السياحة، حيث يحظر على الفلسطيني الوصول إليها.

ويجسد المستوطنون، وفق اشتيوي، ما يسمونه بالحق الديني بالضفة، عبر أنماط مختلفة، وكان أبرزها وأخطرها بناء مقابر وهمية، كما في بلدة كفر الديك غرب سلفيت، وبالتالي عدم الخروج من المنطقة بحال من الأحوال في تزوير لوجه الأرض ومفاصل التاريخ.
جرأة متصاعدة
الخبير في شؤون الاستيطان جمال طلب العملة، لا يرى أن المسارات جديدة، ويكشف أن العلامات الملونة بالأزرق والأبيض، والمنتشرة في مناطق مختلفة من الضفة الغربية، تحت عنوان "مسارات بيئية"، كانت الأساس والنواة الأولى لمسارات التوراة، التي أصبحت أكثر تصاعدًا.
ويصف في حديثه لـ وكالة سند للأنباء المسارات الحالية بالأكثر جرأة، وأنها رسخت في عقلية المستوطن ملكيته الحصرية للأرض، وباتت ترسخ في أذهان الفتية مع تلقيهم التدريبات والدعم اللامحدود، والتطرف الخطير.
وشدد على ضرورة الموقف الإعلامي الفلسطيني الموحد، لتكذيب رواياتهم ودحضها وعدم الاكتفاء بالنقل المجرد الخالي من السردية الفلسطينية وعدالتها.
وقدم العملة أمثلة على التزوير الإسرائيلي في التنوع الحيوي والمسارات البيئية، ومنها عين الصعدية في منطقة دورا، التي تم تطويرها لصالح المستوطنين، بزعم قدسيتها، عدا عن ينابيع وادي فوكين التي أقرت محاكم الاحتلال أحقية الفلسطيني فيها، ورغم ذلك تم ابتلاعها ونسبها لاسم توراتي مكذوب.

ويعتقد الناشط في مواجهة الاستيطان خيري حنون، أن تغول المستوطنين وإعلانهم لمسارات التوراة، سبب تراجع الحضور الشعبي الفلسطيني وضعف الاهتمام بالأرض وإصلاحها، وزراعتها ما جعل الفرصة سانحة لهم للسيطرة التدريجية.
ويعتقد حنون في حديث لـ وكالة سند للأنباء، أن تراجع الجرأة الفردية والعامة للفلسطيني، في رفض الاعتداءات، ضاعفت جرأة المستوطنين، ورفعت من وتيرة هيمنتهم وسرقتهم للأرض.
المحلل السياسي فارس منصور يقول إن نشطاء الاستيطان من الشباب يبدأون خطواتهم تدريجيا وبهدوء، ثم ينطلقون عبر عملية الرعي والزراعة ثم البناء، لترسيخ حضورهم كما يعلنون ذلك صراحة.
منصور يؤكد لـ وكالة سند للأنباء أن المشاركين في مسارات التوراة، يرون في اتفاق أوسلو حماقة منحت الأرض للفلسطينيين، وأن موقعها الاستراتيجي يجعلها مرشحة لتكون مركزاً للدولة الفلسطينية.
وعن أهداف "مسارات التوراة"؛ فيرى منصور أنها أداة لربط المستوطنين بتلال الضفة واعتبار الفلسطينيين كتلة عربية معادية، خلف (جبال الظلام)، كما يسمونها، ما يسهل الاستيطان وبسط الهيمنة عليها، مع حلول الوقت المناسب.
