في أحدث استهداف لها، حولت جرافات الاحتلال الإسرائيلي 16 محلا ومرفقا في سوق الخضار المركزي ببلدة بيتا "حسبة بيتا" جنوب نابلس، إلى أكوام من الركام، في مشهد يتكرر يوميا مع كل اعتداء يشنه جيش الاحتلال ومستوطنوه ضد ممتلكات الفلسطينيين ومصادر رزقهم.
واستهدف التدمير مبنى الإدارة داخل السوق، وستة عشر بركسا تجاريا داخل الحسبة، وخارجها، إلى جانب البنية التحتية الحيوية من شبكات المياه والكهرباء وتصريف مياه الأمطار، وأرضيات، وبوابات، ووحدات صحية.
وقدرت بلدية بيتا قيمة الخسائر المالية المباشرة وغير المباشرة جراء تدمير قوات الاحتلال لجزء من حسبتها، بأربعة ملايين شيقل.

ولم تكتف سلطات الاحتلال بذلك، بل صرحت بنيتها هدم ستة بركسات أخرى في المستقبل القريب.
وهذا الاعتداء لم يكن الأول الذي تتعرض له حسبة بيتا منذ إنشائها قبل نحو 20 عاما، ففي العام 2010 أصدر أمرا بهدمها، وهو ما واجهته بلدية بيتا بالتوجه للقضاء الإسرائيلي واستطاعت تجميد القرار.

وفي السنوات الأخيرة كثف الاحتلال استهدافه للحسبة، بعمليات الحرق والهدم الجزئي عبر إطلاق القنابل داخلها بشكل متعمد خلال المواجهات التي شهدها مدخل بيتا تزامنا مع أحداث جبل صبيح.
تجويع الضفة
ويؤكد رئيس بلدية بيتا محمود برهم أن هذا التدمير الذي جاء بشكل مفاجئ وبدون سابق إنذار، يهدف لتجويع الضفة الغربية أسوة بقطاع غزة، نظرا لتوقيته ولأهمية حسبة بيتا بالنسبة للمزارعين والتجار والمواطنين على حد سواء.
وأوضح برهم لـ"وكالة سند للأنباء" أن استهداف حسبة بيتا التي تُعتبر أحد أهم المرافق الاقتصادية والحيوية في الضفة الغربية ومن أعمدة الاقتصاد المحلي.
واعتبر أن هذا التدمير يمثل استهدافًا ممنهجًا للاقتصاد المحلي الفلسطيني، ويأتي ضمن سياسات الاحتلال الرامية لتجويع السكان وفرض حصار اقتصادي خانق على الضفة الغربية، حيث تزامن الهجوم مع ظروف اقتصادية صعبة تشهدها البلدة والمنطقة برمتها.


وبين أنه يعمل في حسبة بيتا أكثر من 400 عامل وتاجر ومزارع وغيرهم بصورة مباشرة وغير مباشرة بشكل يومي، وتعتبر سوقا استراتيجية لكل الضفة من شمالها وحتى جنوبها، الأمر الذي يجعل من هذا الاستهداف ضربة قوية للاقتصاد الوطني.
واعتبر برهم أن هذا الاعتداء يأتي استجابة لرغبات المستوطنين، ووصفه بـ "خطوة أولى في سياسة التجويع ضد أهالي الضفة الغربية"، مؤكدا أن الاحتلال لا يتوانى عن تقديم الحجج الواهية لتبرير أعماله.
تكامل أدوار
ولم تكد تمضي عدة ساعات على الهدم بحسبة بيتا، حتى ارتكب المستوطنون مساء اليوم ذاته، اعتداء آخر استهدف مشتلا زراعيا في قرية دير شرف غرب نابلس، في مشهد يعكس تكامل الأدوار بين الاحتلال ومستوطنيه باستهداف عصب الاقتصاد الفلسطيني.
ولا يبعد مشتل الجنيدي المستهدف، سوى عشرات الأمتار عن حاجز دير شرف الذي لا يبرحه جنود الاحتلال على مدار الساعة.
هاشم الجنيدي، صاحب مشتل الجنيدي، أكد أن الحريق أتى على كل أجزاء المشتل، مخلفا خسائر فادحة تقدر بأكثر من مليوني شيكل، كما أصيب 4 أشخاص خلال محاولتهم السيطرة على الحريق.
وأشار الجنيدي في حديثه لـ "وكالة سند للأنباء" إلى أن هذا الاعتداء ليس الأول الذي ينفذه المستوطنون ضد المشتل، في محاولة لاقتلاعهم، مشددا: "رغم كل ما حدث نحن هنا باقون".
ضرب مقومات الاقتصاد
ويرى مختصون بالشأن الاقتصادي أن ضرب مقومات الاقتصاد هي واحدة من أسس الاستراتيجية الإسرائيلية الهادفة إلى تهجير الفلسطينيين والسيطرة على الأرض.
وأكد الخبير الاقتصادي وعضو مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة نابلس ياسين دويكات، أن استهداف حسبة بيتا ومشتل الجنيدي يندرج ضمن سلسلة الإجراءات التي يقوم بها الاحتلال الإسرائيلي، بهدف خلق بيئة فقيرة وغير صالحة للحياة في الضفة الغربية، لتكون طاردة للفلسطينيين ومشجعة لهم على الهجرة الطوعية.
وقال دويكات لـ"وكالة سند للأنباء": "يتوقع الاحتلال أنه عند الوصول لمرحلة الفقر وفقدان الأمن والأمان، فإن هذا سيشجع على الهجرة الطوعية، خاصة بين فئة الشباب"، معبرا عن ثقته بأن الشعب الفلسطيني لن يحقق الأهداف الإسرائيلية بالهجرة الطوعية.
وأشار إلى أن ما جرى في حسبة بيتا تسبب بأضرار مادية مباشرة من خلال عملية الهدم والمس بقوت العائلات المستفيدة من هذه المحلات، سواء عائلات أصحابها أو العاملين فيها.
وأوضح أن آثار تدمير محلات الحسبة لم تقتصر على المحلات ذاتها، بل أن هناك حلقة كاملة تضررت، ابتداء من المزارعين خاصة في منطقة الأغوار الذين تلفت محاصيلهم بسبب تدمير الثلاجات، مرورا بتجار الحسبة وتجار التجزئة، وانتهاء بالمواطن الفلسطيني الذي أصيبت سلته الغذائية.
وأكد أن هذا العدوان يتكامل مع إجراءات الاحتلال من اجتياحات ومداهمات واعتقالات، والحواجز والبوابات الموجودة على مداخل المدن والقرى والتي يزيد عددها عن الألف، والتي تقيد حركة المواطنين وتضعف الحركة التجارية، ما يؤدي إلى تراجع حاد في الوضع الاقتصادي.
ونبه دويكات إلى أن إجراءات الاحتلال لضرب الاقتصاد، لا يتوقف أثرها فقط على الناحية الاقتصادية، فانتشار الفقر وزيادة نسبة البطالة بدأ ينعكس على السلم الأهلي، وهذا يتجلى في تزايد حجم القضايا المنظورة في المحاكم بمختلف أنواعها ودرجاتها.
