عندما قدّم الرئيس الأميركي دونالد ترامب خطته ذات العشرين نقطة لإنهاء حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة إلى جانب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، حاول تسويقها على أنها خطوة تاريخية نحو تحقيق "المستحيل": السلام في الشرق الأوسط.
لكن قراءة متأنية لبنود الخطة تكشف أن ما يسمى بـ"صفقة غزة" لا يقدّم للفلسطينيين شيئًا جديدًا، بل يعيد إنتاج إخفاقات الماضي، ويضع السلطة على الهامش، ويُدخل غزة في دائرة وصاية أجنبية لا تختلف كثيرًا عن الاحتلال المباشر، بحسب ما أبرز موقع "ميدل إيست آي" البريطاني.
عودة إلى الوضع الراهن تحت غطاء جديد
تتحدث الخطة عن هدنة بين المقاومة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي، واستئناف دور الأمم المتحدة في توزيع المساعدات، وبدء محادثات حول "دولة فلسطينية مستقبلية".
لكن هذه البنود، في جوهرها، تعيد الفلسطينيين إلى النقطة صفر: إدارة إنسانية دولية للمساعدات، ومفاوضات مفتوحة بلا سقف زمني، وهدنة هشة قابلة للانهيار.
غياب أي التزامات واضحة بشأن وقف الاستيطان في الضفة الغربية أو منع ضمها يجعل الخطة منحازة بالكامل لمصالح دولة الاحتلال، إذ تكتفي بالإشارة إلى "احتمال دولة مستقبلية"، من دون حدود أو جدول زمني أو ضمانات، وهو ما يفرغ المفهوم من مضمونه.
تهميش التمثيل الفلسطيني
إحدى أبرز سلبيات الخطة أنها تتجاهل كليًا البنية السياسية الفلسطينية. السلطة الفلسطينية، رغم ضعفها وفقدانها الشعبية، لا تزال الجهة المعترف بها دوليًا.
ومع ذلك، تم استبعادها فعليًا من الخطة، بينما تُجبر المقاومة على نزع سلاحها والخروج من القطاع. النتيجة: فراغ سياسي متعمد لا يقدّم بديلًا فلسطينيًا حقيقيًا.
هذا الترتيب يُعطي دولة الاحتلال وحلفاءها الغربيين اليد العليا في تحديد مستقبل غزة. كما أن منح توني بلير – رئيس الوزراء البريطاني الأسبق المعروف بدوره الكارثي في غزو العراق – موقع الإشراف على الخطة يزيد من الشكوك بشأن جدّيتها ويعزز انطباعًا بأنها إدارة استعمارية جديدة للقطاع.
تجاهل حق تقرير المصير
بحسب خبراء فلسطينيين ودوليين، تمثل الخطة تفكيرًا "استعماريًا محضًا". فهي تتعامل مع غزة وكأنها كيان منزوع السيادة تُفرض عليه ترتيبات أمنية واقتصادية من الخارج، من دون إشراك سكانه أو ممثليه في صياغة الحل.
وأي مقترحات مثل "مجلس سلام" أو "قوة استقرار دولية" تُدار بقيادة ترامب وبلير، ليست سوى التفاف مباشر على الحق الفلسطيني في تقرير المصير، وتحويل غزة إلى محمية دولية.
من جهة أخرى تُقدَّم إعادة الإعمار كأحد أعمدة الخطة، لكن من دون آليات واضحة لرفع الحصار أو ضمان سيادة الفلسطينيين على مواردهم.
هذه المقاربة تشبه ما حدث في العراق بعد 2003: مشاريع دولية لإعادة البناء تحت إشراف خارجي، من دون مشاركة فعلية للسكان، ما جعلها مشاريع قصيرة الأجل تخدم مصالح النخب والشركات الأجنبية أكثر مما تخدم المجتمعات المحلية.
الأخطر أن إدخال مساعدات أو أموال إعادة الإعمار يُستخدم كأداة ضغط سياسي على الفلسطينيين للقبول بالشروط الإسرائيلية، بدلًا من أن يكون حقًا إنسانيًا غير مشروط.
مهلة تعجيزية وتصعيد مستتر
منح ترامب حركة حماس وفصائل المقاومة ثلاثة أو أربعة أيام فقط للقبول بالخطة، في ظل حرب مستمرة صنفتها الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية كإبادة جماعية.
وتكشف هذه المهلة التعجيزية أن الهدف ليس التوصل إلى تسوية عادلة، بل فرض إملاءات على الطرف الأضعف تحت ضغط الموت والجوع.
الأدهى أن ترامب لمّح إلى أن رفض الخطة يمنح دولة الاحتلال ضوءًا أخضر لمواصلة الحرب، ما يحوّل الاقتراح من مبادرة سلام إلى تهديد مستتر بزيادة الدمار.
قبول عربي شكلي ومخاوف داخلية
صحيح أن دولًا عربية وإسلامية رحّبت بالجهود الأميركية في العلن، لكن تقارير عديدة كشفت أنها فوجئت بتعديلات مؤيدة لإسرائيل قبل الإعلان عن النص. هذا ما يعكسه تصريح محللين بأن القادة العرب قلقون بالأساس من الاستقرار الداخلي والخوف من انفجار الشارع العربي، أكثر من قلقهم على الحقوق الفلسطينية.
بعبارة أخرى، فإن دعمهم للخطة لا يتجاوز الرغبة في تهدئة الأزمة وتجنب انتقال الغضب الشعبي إلى بلدانهم، وهو ما يجعل هذا الدعم هشًا وقابلًا للتراجع في أي لحظة.
فالخطة مكّنت الحكومة الإسرائيلية من تحقيق معظم مطالبها: إطلاق سراح الرهائن، نزع سلاح حماس، وضمان بقاء غزة تحت رقابة أمنية صارمة. في المقابل، لم يحصل الفلسطينيون سوى على وعود غامضة بإعادة إعمار مستقبلية وحديث مبهم عن دولة.
كما أن نتنياهو، بحسب خبراء إسرائيليين، قد يستخدم الخطة لكسب الوقت وتخفيف الضغوط الدولية، من دون نية حقيقية لتنفيذها. فمن السهل عليه أن يعلن القبول الشكلي بها، بينما يواصل على الأرض سياسات الاحتلال والحصار والتوسع الاستيطاني.
خطة بلا أفق
على الرغم من التغطية الإعلامية الضخمة التي رافقت إعلانها، تكشف خطة ترامب للسلام في غزة عن ثغرات جوهرية تجعلها أقرب إلى إعادة إنتاج فشل "أوسلو" و"خارطة الطريق" و"صفقة القرن" السابقة.
فهي خطة بلا جدول زمني، بلا ضمانات، بلا تمثيل فلسطيني، وبلا التزام بوقف الاستيطان أو رفع الحصار. كما أنها تُبقي غزة سجنًا مفتوحًا تحت إشراف دولي–إسرائيلي، بدلًا من أن تكون جزءًا من دولة فلسطينية ذات سيادة.
بالتالي، ليست هذه الخطة إلا محاولة لإعادة ترتيب الوضع بما يضمن أمن إسرائيل ويُرضي بعض الأنظمة العربية، من دون معالجة جذور الصراع. النتيجة المتوقعة: استمرار حالة الغليان، واستحالة تحقيق سلام عادل، وإضافة فصل جديد إلى تاريخ طويل من المبادرات الأميركية الفاشلة التي تجاهلت الحق الفلسطيني في الحرية والاستقلال.
