حذر خبراء الأمم المتحدة، اليوم الجمعة، من أن عناصر رئيسية في "خطة السلام" التي أعلنت عنها الولايات المتحدة الأمريكية لإنهاء الحرب في قطاع غزة، تتعارض بعمق مع القواعد الأساسية للقانون الدولي، مرحبين في الوقت نفسه ببعض الجوانب الإيجابية في الخطة.
وأعرب خبراء الأمم المتحدة عن أملهم في التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار في غزة، لكنهم شددوا أن أي خطة سلام يجب أن تضمن بشكل قاطع حقوق الإنسان للفلسطينيين، وألا تخلق مزيدًا من ظروف القمع.
وقال الخبراء، في بيان: "نرحب ببعض جوانب خطة السلام التي أعلنت عنها الولايات المتحدة لإنهاء الحرب في غزة، بما في ذلك وقف دائم لإطلاق النار، والإفراج السريع عن المحتجزين بشكل غير قانوني، وتدفق المساعدات الإنسانية تحت إشراف الأمم المتحدة، وعدم التهجير القسري من غزة، وانسحاب القوات الإسرائيلية، وعدم ضم الأراضي".
وأضافوا أن "هذه متطلبات أساسية في القانون الدولي، ويجب ألا تكون مشروطة بخطة سلام رسمية".
وأكد الخبراء أن عناصر رئيسية في الخطة تتعارض بعمق مع القواعد الأساسية للقانون الدولي، ومع الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية عام 2024، الذي يطالب بإنهاء الوجود غير القانوني لإسرائيل في الأرض الفلسطينية المحتلة.
وحذروا من أن فرض السلام الفوري بأي ثمن، بصرف النظر عن القانون والعدالة أو تحديهما بشكل سافر، "هو وصفة لمزيد من الظلم والعنف وعدم الاستقرار في المستقبل".
غياب حق تقرير المصير
وأشار الخبراء إلى أن حق الفلسطينيين في تقرير المصير، بما في ذلك من خلال إقامة دولة مستقلة، ليس مضمونًا في الخطة كما يقتضي القانون الدولي، بل يخضع لشروط غامضة تتعلق بإعادة إعمار غزة، وإصلاح السلطة الفلسطينية، و"حوار" بين "إسرائيل" وفلسطين.
وبينوا أنه بذلك، يُترك مستقبل فلسطين في يد أطراف خارجية، وليس بأيدي الفلسطينيين أنفسهم كما ينص عليه القانون الدولي.
كما أن الخطة تُبقي على الوضع الراهن الفاشل الذي يشترط المزيد من المفاوضات مع "إسرائيل"، في حين أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي صراحة أن "إسرائيل" ستعارض بالقوة قيام دولة فلسطينية.
وهذا يتعارض بشكل صارخ مع ما قررته محكمة العدل الدولية، بأن حق تقرير المصير لا يمكن أن يكون مشروطًا بالمفاوضات.
وفيما يتعلق بـ"الحكومة الانتقالية المؤقتة" المقترحة، أوضح الخبراء أنها لا تمثل الفلسطينيين، بل تستبعد حتى السلطة الفلسطينية، ما يعد انتهاكًا إضافيًا لحق تقرير المصير، ويجعلها تفتقر إلى الشرعية.
كما لا توجد معايير أو جداول زمنية واضحة للانتقال إلى حكم تمثيلي، وهو حق حصري للفلسطينيين دون تدخل أجنبي.
مجلس السلام.. ممارسات استعمارية
وقال الخبراء إن الإشراف من قبل "مجلس السلام" برئاسة رئيس الولايات المتحدة لا يخضع -وفق الخطة- لسلطة الأمم المتحدة أو رقابة شفافة متعددة الأطراف، بينما تُعد الولايات المتحدة داعمًا متحيزًا بشدة لإسرائيل، وليست وسيطًا نزيهًا.
وأضافوا: "هذه المقترحات تذكرنا، بكل أسف، بالممارسات الاستعمارية، ويجب رفضها".
وحذروا من أن تشكيل "قوة استقرار دولية" خارج سيطرة الشعب الفلسطيني والأمم المتحدة كضامن، ستستبدل الاحتلال الإسرائيلي باحتلال تقوده الولايات المتحدة، وهو ما يتعارض مع حق الفلسطينيين في تقرير المصير.
وأشاروا إلى أن الاحتلال الإسرائيلي الجزئي قد يستمر إلى أجل غير مسمى من خلال "محور أمني" داخل حدود غزة، وهو أمر غير مقبول على الإطلاق.
أما فيما يتعلق بنزع السلاح في غزة، فنبه الخبراء إلى أنه ليس له موعد نهائي، وإذا كان دائمًا، فقد يترك غزة عرضة للعدوان الإسرائيلي.
كما لم يأت المقترح على ذكر شيء عن نزع سلاح "إسرائيل"، رغم أنها ارتكبت جرائم دولية بحق الفلسطينيين وهددت السلام والأمن في المنطقة من خلال عدوانها على دول أخرى.
وبينوا أن "إعادة التأهيل الفكري" تُفرض على غزة فقط، في حين أن المشاعر المعادية للفلسطينيين والعرب، والتطرف، والتحريض العلني على الإبادة الجماعية، كانت من السمات البارزة للخطاب السائد في "إسرائيل" خلال العامين الماضيين.
فصل غزة عن الضفة
وأكدوا أن الخطة تتعامل مع غزة بشكل معزول عن الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية، في حين أن هذه المناطق يجب أن تُعتبر أرضًا ودولة فلسطينية موحدة.
وعبر الخبراء الأمميون عن قلقهم من أن "خطة التنمية الاقتصادية" و"المنطقة الاقتصادية الخاصة" قد تؤدي إلى استغلال غير قانوني للموارد من قبل جهات أجنبية دون موافقة الفلسطينيين.
وذكروا أنه لا يوجد في الخطة أي التزام على "إسرائيل" أو من دعموا هجماتها غير القانونية في غزة، لتعويض الفلسطينيين عن الأضرار غير القانونية الناتجة عن الحرب.
وقالوا إن الخطة تنص على الإفراج عن جميع الرهائن (الأسرى) الإسرائيليين، ولكن فقط عن بعض الفلسطينيين المحتجزين تعسفًا.
ولفتوا إلى أن الخطة الأمريكية لا تتطرق مطلقًا إلى المحاسبة عن الجرائم الدولية والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي ارتكبتها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني، ولا تتضمن التزامًا بالعدالة الانتقالية أو كشف الحقيقة التاريخية أو تحقيق المصالحة الحقيقية، كما لا تضمن وصولًا مستقلًا للصحفيين.
وأضافوا: "إن المساءلة وتحقيق العدالة أمران أساسيان لتحقيق سلام دائم".
قضايا جوهرية
ونبهوا إلى أن الخطة لا تتناول قضايا جوهرية أخرى؛ مثل إنهاء المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية في الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، والحدود، والتعويضات، واللاجئين.
ولا تعطي الخطة دورًا قياديًا للأمم المتحدة أو الجمعية العامة أو مجلس الأمن، ولا لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، رغم أن هذه الجهات ضرورية لمساعدة الفلسطينيين وحمايتهم.
وشدد الخبراء أن أي خطة سلام "يجب أن تحترم القواعد الأساسية للقانون الدولي، ويجب أن يكون مستقبل فلسطين بيد شعبها، لا مفروضًا عليهم من أطراف خارجية في ظل ظروف قهرية، في مخطط آخر للسيطرة على مصيرهم".
وأشار الخبراء إلى أن محكمة العدل الدولية كانت واضحة تمامًا، قائلين: "لا يمكن فرض شروط على حق الفلسطينيين في تقرير المصير. يجب أن ينتهي الاحتلال الإسرائيلي فورًا وبشكل كامل وغير مشروط، مع تقديم التعويض المناسب للفلسطينيين".
وأضافوا: "الأمم المتحدة –وليس إسرائيل أو أقرب حلفائها– هي الجهة التي حددتها محكمة العدل الدولية باعتبارها السلطة الشرعية للإشراف على إنهاء الاحتلال، والانتقال نحو حل سياسي يُحقق فيه حق الفلسطينيين الكامل في تقرير مصيرهم".
وأعلن البيت الأبيض الأمريكي، مساء الإثنين، تفاصيل الخطة التي وضعها الرئيس دونالد ترامب لإنهاء الحرب في قطاع غزة، قائلًا إنّه "إذا وافق الطرفان على هذا الاقتراح ستنتهي الحرب على الفور".
وينص الاقتراح، على إعادة الأسرى الإسرائيليين الأحياء، ورفات الأموات، بعد 72 ساعة من إعلان الاتفاق، وتسليم سلاح المقاومة وإعداد خطة اقتصادية وإدارية للقطاع.
ولقيت الخطة انتقادات شديدة من جانب العديد من الفصائل والقيادات الفلسطينية من مختلف التوجهات السياسية، والذين عبروا عن رفضهم للخطة، واعتبروها "وصفة استسلام ومخطط خنوع"، محذرين من خطورتها على القرار والكل الفلسطيني، ومن كونها تهدف لتقويض حق الشعب الفلسطيني بتقرير مصيره، ودفعه للوصاية الدولية، وهزيمة مقاومته.
