كشف عمال إغاثة يعملون ضمن الاستجابة الإنسانية في غزة لـصحيفة ذا نيو هيومانيتاريان عن صورة قاتمة لقيادة الاستجابة الأممية خلال العام الجاري بعد فضح تآمر سوزانا تكاليك، نائبة منسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في الأرض الفلسطينية المحتلة (أعلى منصب أممي فعليًا داخل غزة)، مع الاحتلال الإسرائيلي لتوظيف المساعدات كسلاح ضغط.
وأظهر التحقيق أن تكاليك، روّجت “طمأنة زائفة” بشأن وصول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، وأسهمت — عن قصد أو عن غير قصد — في تفتيت الجبهة الإنسانية وتهميش الأونروا في لحظة انهيار غير مسبوقة.
منصب حساس… وصلاحيات تفاوض
عُيّنت تكاليك مطلع 2025 ثم ثُبِّتت في مايو/أيار، في سياق حظر الاحتلال لعمل الأونروا ومنعها التأشيرات عن كبار موظفيها.
وبوصفها ممثلة للأمم المتحدة داخل غزة، تتولى التفاوض مع مكتب تنسيق أعمال الحكومة الإسرائيلية في المناطق (كوغات) على فتح المعابر، مسارات القوافل، وقواعد التوزيع.
وقد كرر 11 عامل إغاثة — خمسة منهم بصفوف قيادية — تحدّثوا للصحيفة، مخاوف مشتركة بشأن انجرار القيادة خلف سرديات إسرائيلية، عدم التصدي لتشديد القيود، ونقل رسائل “إيجابية” لا تتحقق ميدانيًا.
“اتفاق الخيام” وقَبولٌ ضمني للنزوح؟
عشية الهجوم الإسرائيلي الواسع على مدينة غزة في أواخر أغسطس/آب، تفاوضت تكاليك — بحسب ثلاثة عمال إغاثة — على اتفاق يتيح توزيع الخيام في الجنوب، على بُعد عشرات الكيلومترات من بؤرة القتال والجوع في الشمال.
ورأى كثيرون في المجتمع الإنساني أن الخطوة تُشرعن نزوحًا جماعيًا يقارب المليون إنسان بدل مواجهته سياسياً وقانونياً.
وقال مسؤول أممي إنه واجهها: “نحن نخطط لدعم المتضررين من العمليات العسكرية، لا لمساعدة العمليات العسكرية ذاتها.”
بدورها تكاليك نفت قبول أو تسهيل أي نزوح قسري، وقالت إن خطتها هدفت إلى “حماية المدنيين حيثما وُجدوا”، وجرى إعدادها بالتشاور مع قادة مجتمع محلي وقطاع صحي ومدنيين فلسطينيين.
دقيقٌ للمخابز فقط… ثم فوضى وانهيار
في مايو/أيار، وبعد حصار شبه كامل للمساعدات، سُمح بدخول شحنة دقيق لخمسة أيام. لكن — وفق مصادر ميدانية — غيّر الاتفاق وجهة التوزيع من عائلي مباشر (كما كانت تفعل الأونروا) إلى المخابز فقط، دون إبلاغ مسبق كافٍ للشركاء المحليين.
النتيجة: ازدحام وفوضى ونَهْب عندما أدرك الجياع أنهم لن يتسلموا الطحين مباشرة، فأُغلقت مخابز خلال أيام، وتعرّض مستودع برنامج الأغذية العالمي في دير البلح للنهب وسقط ضحايا. لاحقًا، قصف الاحتلال مخبزين على الأقل وحُماة قافلة دقيق، قُتل وجُرح نحو 100 شخص.
وتقول تكاليك إنها دفعت لأشهر باتجاه عودة التوزيع المباشر للأسر، ورأت في “نافذة الخمسة أيام” فرصةً ضيقةً لكنها حيوية لتخفيف الجوع إلى حين توسيع الوصول، رافضةً اتهامات “لوم الضحايا”.
اتهامات بتهميش الأونروا وتفتيت التنسيق
يشير عمال إغاثة إلى أن أسلوب القيادة الحالي همّش الأونروا — صاحبة البنية الأعرض للتوزيع والتسجيل والملاجئ — لصالح ترتيبات بديلة أقل قدرة على الوصول، وشجّع الوكالات على التفاوض المنفرد مع السلطات الإسرائيلية، وهو بالضبط “ما سعت إليه إسرائيل منذ البداية” لتفكيك الجبهة الإنسانية.
وتؤكد تكاليك أن الأونروا “عمود فقري” للعمليات وأنها دافعت عن تمكينها، لكن مصادر أممية تنفي وجود مواقف علنية داعمة بالقدر اللازم، وتعدّ ما جرى انسجامًا متزايدًا مع أهداف إسرائيل السياسية تجاه الوكالة.
حادثة صادمة تكررت في شهادات عدة: تفاوضٌ لإدخال طعام كلاب ضالة قرب بيت ضيافة أممي أثناء منع إدخال غذاء كافٍ للموظفين والسكان وتجويعٍ واسع؛ رفض موظفون تخصيص مركبة أممية لإجلاء الكلاب.
وقد لخص عامل أممي الغضب: “لدينا عاملون يغمى عليهم من الجوع، ثم نناقش علف الحيوانات!”.
“لغة مطيعة” وغيابات مكلفة
يتهم عاملون دوليون تكاليك بأنها تحتفي بكميات رمزية تسمح بها دولة الاحتلال وكأنها إنجاز، وتنقل “تأكيدات” من كوغات لا تتحقق، فيما تتكرر مغادرتها غزة لاجتماعات، ما يستهلك أصولًا لوجستية نادرة كان الأجدى تخصيصها للعمليات. بالمقابل، تقول إنها غادرت فقط وفق مقتضيات الدور أو بطلب القيادة وخلال مساعي وقف إطلاق النار.
وتكشف الشهادات عن فشل منهجي في صون المبادئ الإنسانية تحت ضغط بيروقراطي وعسكري إسرائيلي يروم تسليح المساعدات وتسييسها. الطريق إلى تصحيح المسار يبدأ بـ:
مراجعة مستقلة تقودها الأمم المتحدة لاستجلاء قرارات الوصول والتوزيع خلال 2025.
إعادة تمكين الأونروا كقاطرة توزيع ميداني، ووقف أي ترتيبات تُحوّل الإغاثة إلى أداة قسر.
تنسيق موحّد صارم يمنع التفاوض المنفرد ويُعيد وزن مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية.
وبين التجويع والتهجير والقصف، يصبح الحياد شجاعة قول من يعرقل الوصول لا تجميله. ومن دون وضوحٍ ومساءلة، ستبقى غزة تدفع ثمن “إدارة أزمة” تُدار بمقايضات لا تنقذ الأرواح.
