بعد عامين من حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية على قطاع غزة، لا تزال آلاف العائلات الفلسطينية تعيش مأساة مضاعفة، تبحث في الركام والمجهول عن أحبائها الذين اختفوا في خضم القصف والتدمير، في واحدة من أكثر الكوارث الإنسانية تعقيداً في تاريخ الصراع.
ونشرت صحيفة واشنطن بوست الأميركية تقريراً مطوّلاً يرصد جانباً من هذه المأساة، من خلال قصة محمد النجار، الذي تحوّل بحثه عن ابنه أحمد إلى رحلة طويلة بين الركام والمقابر والسجون الإسرائيلية، دون أن يجد له أثراً حتى اليوم.
ففي ليلة من ليالي القصف العنيف، اضطر محمد النجار للفرار مع زوجته وأطفاله من منزلهم في أحد أحياء غزة التي دمرتها الغارات الإسرائيلية. يقول للصحيفة: “خرجنا ونحن نركض في الظلام والدخان، ظننا أننا سنعود بعد ساعات، لكن بيتنا سوي بالأرض ولم نجد سوى الرماد.”
بعد أن هدأ القصف مؤقتاً، عاد الأب المنكوب إلى الحي ليبحث عن ابنه أحمد (23 عاماً) الذي كان غائباً عن العائلة منذ بدء الهجوم على المنطقة. بحث في المستشفيات والمراكز الميدانية وأسماء الضحايا، ثم في قوائم الأسرى التي تنشرها منظمات حقوقية، لكنه لم يعثر على أي أثر.
ويقول: “كلما ظهرت دفعة من الأسماء أبحث فيها، لعل اسم أحمد يظهر.. حتى الآن لا شيء، لا جثة ولا إشارة ولا اتصال.”
قصة النجار ليست استثناءً، بل جزء من مأساة تمتد إلى آلاف العائلات الفلسطينية التي فقدت أبناءها في دوامة الحرب والدمار، وباتت تعيش بين أمل العثور عليهم وخوف تأكيد موتهم.
آلاف المفقودين بين الأنقاض والمعتقلات
بحسب تقرير واشنطن بوست، تتقاطع شهادات الأهالي مع بيانات وزارة الصحة الفلسطينية في غزة، التي تفيد بأن نحو 6 آلاف شخص لا يزالون تحت الأنقاض، لم تتمكن فرق الإنقاذ من انتشالهم بسبب القصف المستمر ونقص المعدات، إضافة إلى مناطق واسعة لا تزال مغلقة بفعل الاحتلال.
أما اللجنة الدولية للصليب الأحمر، فلديها قائمة منفصلة تضم أكثر من 7 آلاف مفقود لا تشمل من يُعتقد أنهم تحت الأنقاض، بل أولئك الذين فقد الاتصال بهم أثناء الاجتياحات أو اقتيدوا إلى مراكز الاعتقال الإسرائيلية ولم يعودوا منذ ذلك الحين.
ويقول موظف في الصليب الأحمر للصحيفة إن "المشكلة الأكبر تكمن في غياب الوصول الإنساني إلى السجون والمناطق العسكرية الإسرائيلية التي يحتجز فيها المدنيون من غزة"، مشيراً إلى أن سلطات الاحتلال ترفض تقديم قوائم واضحة بأسماء المحتجزين، وتعتبرهم “أسرى غير نظاميين”.
وتؤكد منظمات حقوق الإنسان أن مئات العائلات أبلغت عن اختفاء أقاربها بعد اقتحامات برية إسرائيلية، حيث تم فصل الرجال والشبان عن النساء والأطفال في ما يُعرف بـ“مناطق الفرز”، قبل أن يُقتادوا إلى وجهات مجهولة. وحتى اليوم، لا تتوافر معلومات دقيقة عن أماكن احتجازهم أو حالتهم الصحية.
معاناة تتوارثها الأجيال
تقول الصحيفة إن مأساة المفقودين تحولت إلى جرح مفتوح في الوعي الفلسطيني، إذ تعيش آلاف العائلات بين انتظارٍ قاتلٍ وأملٍ هشٍّ بالعثور على ذويها.
في مخيمات النزوح المنتشرة على طول القطاع، تحتفظ بعض الأمهات بصور أبنائهن في أكياس بلاستيكية صغيرة تحميها من المطر والغبار.
تقول إحدى الأمهات في مخيم النصيرات: “لا أريد شيئاً سوى أن أعرف أين ابني، حياً أو ميتاً.. أريد أن أدفنه بيدي.”
ويصف باحث فلسطيني تحدث للصحيفة حالة المفقودين بأنها “الوجه الصامت للإبادة”، موضحاً أن الاحتلال لم يكتف بقتل الآلاف، بل ترك آلافاً آخرين عالقين بين الحياة والموت دون أثر أو هوية أو قبر.
نظام توثيق هشّ وقيود إسرائيلية صارمة
منذ انهيار المؤسسات المدنية في غزة بسبب الحرب، أصبح توثيق حالات المفقودين مهمة شبه مستحيلة. فالسجلات الطبية دُمّرت، والاتصال بين المستشفيات مفقود، والعديد من البلاغات عن المفقودين لا تصل إلى الجهات المختصة.
ويؤكد التقرير أن السلطات الإسرائيلية تعرقل جهود المنظمات الدولية التي تحاول الوصول إلى المناطق المدمرة أو التواصل مع ذوي الأسرى والمعتقلين، مما يعمّق الغموض حول مصير المفقودين.
ويشير مسؤول في وزارة الصحة في غزة إلى أن “الاحتلال يتعمد إخفاء الأرقام الحقيقية لعدد الأسرى والمعتقلين المدنيين، لطمس آثار جرائمه بحق العائلات التي فُقد أبناؤها تحت القصف أو في مراكز الاعتقال.”
وبعد عامين من الحرب، لا تزال غزة تنزف جراحها، والمفقودون عنوانٌ آخر للكارثة المستمرة. تقول واشنطن بوست إن مشهد الأب الفلسطيني الذي يحمل صورة ابنه المفقود أصبح رمزاً للوجع الجماعي في قطاع غزة، حيث تختلط الأنقاض بالذكريات، وتتحول كل مكالمة هاتفية أو إعلان رسمي إلى لحظة رجاء وألم.
ورغم غياب الضوء في نهاية النفق، تواصل العائلات بحثها العنيد، مؤمنة بأن أسماء أحبائها لن تضيع في غبار الحرب، وأن الحقيقة – مهما طال الزمن – ستخرج من تحت الركام.
