"لم أكن أبحث عن جوائز، بل عن حلول"، كثيراً ما ردد العالِم الفلسطيني عمر ياغي هذه المقولة سعياً منه للابتكار والنهوض بمن حوله، واليوم يثمر علمه عن حلولٍ أنقذت ملايين من عطش المستقبل، ليكون كذلك أول فلسطيني يحصل على جائزة "نوبل" للكيمياء.
وأعلنت الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم منح جائزة نوبل في الكيمياء لعام 2025، للفلسطيني عمر ياغي وكل من سوسومو كيتاغاوا وريتشارد روبسون، تقديرا "لجهودهم في تطوير الأطر المعدنية العضوية".
وطور هؤلاء العلماء نوعا مبتكرا من الهياكل الجزيئية تعرف باسم الأطر المعدنية العضوية، والتي تتسم باحتوائها على مسامات وتجاويف كبيرة تتيح للجزيئات الانتقال خلالها بحرية.
ومهَّد هذا الابتكار الطريق أمام تطبيقات علمية متنوعة، حيث تم استخدام هذه المواد في استخلاص الماء من الهواء في المناطق الصحراوية، وتنقية المياه من الملوثات، علاوة على احتجاز غاز ثاني أكسيد الكربون وتخزين غاز الهيدروجين.
من هو العالِم الفلسطيني عمر ياغي؟
العالم عمر مؤنس ياغي (60 عاماً)، هو عالم كيمياء يحمل الجنسية السعودية والأمريكية، من أصل فلسطيني، يعمل حاليا أستاذ جامعي بجامعة كاليفورنيا، ببيركلي.
ويُعد "ياغي" أحد أبرز رواد الكيمياء الشبكية الحديثة، وقد لعب دوراً محورياً في تحويل هذا المجال من نظرية أكاديمية إلى تطبيقات عملية تحدث تغييرا جذريا في مواجهة التحديات العالمية.
شغف بالجزيئات منذ الطفولة..
ولد عمر ياغي عام 1965 في العاصمة الأردنية عمّان، لعائلة فلسطينية نزحت من مدينة يافا بعد النكبة عام 1948.
ونشأ "ياغي" في بيئة فقيرة، حيث عاش مع تسعة من إخوته في غرفة واحدة، دون كهرباء، كما كانت المياه تصل إلى منزلهم لبضع ساعات أسبوعيا فقط.
وغرست هذه التجربة المبكرة مع شح الموارد، خصوصا المياه، رغبة عميقة في إيجاد حلول علمية لمشكلات العوز التي يعاني منها الملايين.
في سن العاشرة، اكتشف شغفه بالكيمياء حين رأى نماذج جزيئية في مكتبة مدرسته، كرات وأعواد تمثل الذرات والروابط، فشعر وكأنه "اكتشف لغة سرية لبناء الكون". ومنذ تلك اللحظة، قرر أن يكرس حياته لفهم هذه اللغة وتوظيفها لخدمة البشرية.
رحلة علمية من الأردن إلى نوبل..
وفي سن الخامسة عشر، انتقل ياغي إلى الولايات المتحدة دون أن يتقن الإنجليزية، لكنه سرعان ما تفوّق أكاديميا، ليحصل على درجة الدكتوراة في الكيمياء من جامعة إلينوي عام 1990.
وخلال عمله الأكاديمي، بدأ يبحث عن طرق منهجية لتصميم مواد جديدة بدل الاعتماد على التجربة والخطأ.
وفي منتصف التسعينيات، قاد ياغي ثورة في الكيمياء من خلال تأسيس ما يُعرف بـ"الكيمياء الشبكية" (Reticular Chemistry)، وهي فرعٌ يتيح تصميم مواد بلورية ذات بنية منتظمة ومسامية نانوية يمكن التحكّم بها بدقة.
وكان تطوير الأطر المعدنية العضوية (MOFs) والهياكل العضوية التساهمية (COFs) من أبرز إنجازاته، وهي مواد تمتلك مساحات سطحية هائلة (يمكن أن تصل إلى 7,000 متر مربع لكل غرام!) وقدرة استثنائية على امتصاص الغازات أو جذب جزيئات الماء من الهواء.
أما أحد أكثر إنجازات "ياغي" إثارة هو تطوير أجهزة لاستخراج المياه من الهواء الجاف، حتى في الصحاري حيث الرطوبة لا تتجاوز 20%.
وفي تجربة شهيرة بمختبره في بيركلي، شاهد قطرات الماء تتكون داخل صندوق مغلق باستخدام بلورات MOF، ليقول بتأثر: "كانت رؤية تلك القطرات واحدة من أروع اللحظات في حياتي.. فهذا يعني أن بإمكاني خلق ماءٍ حيث لا ماء".
وتعمل هذه التقنية بالطاقة الشمسية دون الحاجة إلى كهرباء، حيث تعد حلا واعداً لمئات الملايين حول العالم الذين يعيشون في مناطق تعاني من شح المياه.
وفقا للأمم المتحدة، سيصل عدد المتأثرين بأزمة المياه إلى 1.8 مليار شخص بحلول عام 2025، وابتكارات ياغي قد تكون المفتاح لتخفيف هذه الكارثة.
جوائز مرموقة..
وإلى جانب جائزة نوبل 2025، حصل ياغي على جوائز مرموقة عالميا، أبرزها جائزة كافلي للكيمياء 2018، والتي تُعدّ من أرفع الجوائز في العلوم.
وتم تصنيفه مرارا ضمن "أكثر العلماء تأثيراً في العالم"، بفضل أكثر من 300 بحث علمي حظيت بأكثر من 250,000 استشهاد.
وفي فبراير 2024، حظي "ياغي" بتكريم من الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بجائزة "نوابغ العرب" في فئة العلوم الطبيعية، تقديرا لإسهاماته الاستثنائية.
ويُعرف ياغي أيضا بدعمه للباحثين الشباب من العالم العربي، وسعيه لفتح أبواب العلم أمام الأجيال القادمة.
فوز عمر ياغي بجائزة نوبل ليس فقط اعترافا بعبقريته العلمية، بل أيضاً تكريماً لرؤية إنسانية جذرت العلم في خدمة الإنسان. من غرفة صغيرة في عمّان إلى قاعات الأكاديمية السويدية، يبقى ياغي مثالاً حيّاً على أن العلم، حين يُبنى على التعاطف مع معاناة البشر، يمكن أن يغيّر مصير الشعوب.
