في غزة، لا يقتصر النزوح على البشر وحدهم، ولا يختص الجوع بالناس فقط، فالحيوانات الأليفة التي كانت يومًا جزءًا من دفء البيوت، تحولت اليوم إلى شهود على أقسى فصول الحرب والمجاعة في كل خيمة، وفي كل بيتٍ مهدّم، حكاية عن وفاء وصمود بين إنسانٍ وحيوانٍ جمعهما الجوع والخوف والركام.
من بين هذه الحكايات تبرز قصة القطة "سمارة"، التي لم تكن مجرد حيوانٍ أليف، بل رفيقة نزوحٍ وجوعٍ وصبر، كما ترويها أمل حبيب، نازحة من حي الشجاعية شرق غزة، لـ"وكالة سند للأنباء".
سمارة… رفيقة النزوح الأولى
ولدت سمارة خلال الحرب في حي الشجاعية، أحد أكثر أحياء غزة تضررًا منذ اندلاع العدوان الإسرائيلي في السابع من أكتوبر 2023. تتحدث أمل بحزن وهي تستعيد المشهد الأول:
"كانت صغيرة لا تعرف سوى زاوية بيتنا المهدّم، ومع اشتداد القصف اضطررنا للنزوح، فحملها ابني عمر في قميصه، كانت خائفة، لكنها لم تتركني أبدًا."
منذ ذلك اليوم، أصبحت سمارة جزءًا من العائلة، تنزح معهم من الشجاعية إلى وسط غزة وغربها وشملها الغرب، ثم إلى الجنوب، وفي كل مرة تتبدل الأمكنة وتبقى القطة الصغيرة شاهدة على فوضى المكان ومرارة الغياب.
"كانت ترتجف من أصوات الطائرات والريبوتات، وعندما كنا نصل إلى مكان جديد كانت تختبئ أيامًا، تبحث بعينيها عن بيتها الأول الذي لم يعد موجودًا." تقول" حبيب".
المجاعة… والخبز المقسوم على اثنين
في عام 2025، فرض الاحتلال حصارًا خانقًا أدى إلى مجاعة ثانية في القطاع خلال حرب الإبادة، وجدت أمل نفسها أمام مأساة مزدوجة؛ فقد أنجبت سمارة سبعة صغار، بينما الطعام شبه منعدم.
"كنت أقتسم رغيفي معها، ثم نصفه فقط، لم أحتمل أن أراها وقططها الصغيرة تتضور جوعًا." تردف أمل حبيب.
اضطرت أمل لتوزيع الصغار على عائلات أخرى والإبقاء على سمارة فقط، لتبقى رفيقتها في خيمة النزوح التي تشاركها فيها عائلة أخرى تخاف من القطط، وتقول أمل:
"كنت أبقى مستيقظة طوال الليل حتى لا تقترب من الأطفال الذين يخافونها، حتى النوم صار ترفًا في حياتنا."
صوت آخر من المأساة… الببغاء "رعد"
ليست سمارة وحدها شاهدة على الألم، مريم الهسي، نازحة من شمال غزة، تروي قصتها مع الببغاء"رعد" الذي رافقها في كل رحلة نزوح:
"رعد لم يتركني رغم الجوع، كان يئن بصمت، لكني كنت أرى في عينيه وعدًا بألا يتركنا ويطير".
وفي المجاعة، كانت مريم تقتسم مع رعد العدس والماء القليل، وتقول بحزن: "لم أعد أميز من منا يواسي الآخر.. كأننا نعيش الوجع ذاته، بلا لغة سوى البقاء."
رفقة الألم… وصمود لا يُنسى
تُجمع القصتان على أن الحرب لم تفرّق بين إنسانٍ وحيوان كلهم نزحوا، خافوا، وجاعوا، وشاركوا في تفاصيل الألم اليومية.
هذه الكائنات الصغيرة، التي كانت زينة البيوت يومًا، أصبحت اليوم جزءًا من ذاكرة الحرب في غزة.
ففي كل زاوية خيمة، وبين أنقاض كل شارع، تبقى سمارة ورعد رمزين للوفاء وسط الجوع، وللحياة التي ترفض الموت رغم كل شيء.
