الساعة 00:00 م
السبت 18 يوليو 2026
22° القدس
21° رام الله
21° الخليل
25° غزة
4.09 جنيه إسترليني
4.28 دينار أردني
0.06 جنيه مصري
3.47 يورو
3.04 دولار أمريكي
4

الأكثر رواجا Trending

"غزة مُباشــر".. ثلاثـة شُهــداء في 7 خُروقـات إسـرائيليـة جديـدة لـ "الهُدنـة"

من التستر إلى الإسناد.. هكذا أصبح جيش الاحتلال قبضة حديدية للمستوطنين

حين يصبح التنفس معركة.. مرضى الربو في غزة يواجهون رماد الحرب

حجم الخط
غزة - مرضى الربو
غزة - إيمان شبير - وكالة سند للأنباء

كل شهيق في غزة صار تحديًا، وكل زفير معركة تُخاض على حافة الحياة، الهواء الذي كان يومًا نعمة، تحوّل إلى خليط من الغبار والرماد والغاز والرمق الأخير للمنازل المهدّمة، لم يعد التنفس فعلًا تلقائيًا، بل جهدًا يوميًا يختبر قدرة الجسد على الاحتمال، وقوة الروح على البقاء.

في مدينة فقدت ملامحها، وارتفعت أنقاضها أكثر من أبنيتها، يختنق مرضى الربو بين أزقة الغبار والدخان، يبحثون عن نسمة نجاة في هواء مسموم، الأدوية نادرة، والمستشفيات المنهكة لم تعد قادرة على استيعاب الأنفاس المتقطعة، حتى أجهزة التنفس باتت أحلامًا مؤجلة.

غزة اليوم ليست مجرد مدينة محاصرة بالحرب، بل صدرٌ مثقوب يعلّم العالم كيف يتنفس رغم الألم، كل مريض ربو فيها يعيش قصة بقاءٍ صامتة، يقاوم فيها اختناق المكان بروحه التي تأبى أن تُهزم، وكأن التنفس ذاته أصبح شكلاً آخر من أشكال المقاومة.

"معاناة الربو"..

تجلس نسمة يونس على الأرض بين أنقاض منزلها المهدّم، وتحاول تنظيم أنفاسها بصعوبة قبل أن تبدأ: "أنا أعاني من الربو منذ الطفولة، لكن بعد الحرب أصبح كل شيء أصعب بكثير، الهواء هنا مليء بالغبار والدخان، وكل حركة بين الركام تثير الأزمة، مجرد المشي لبضع خطوات يجعل صدري يضيق وأشعر بالاختناق".

وتضيف نسمة، "الربو لم يعد المرض الوحيد، أصبح كل شيء حولي عدوًا، الغبار، الرماد، الدخان، حتى حرارة الشمس تجعل التنفس صعبًا، أحيانًا أشعر أن كل نفس هو تحدٍ جديد للبقاء على قيد الحياة".

وتتابع: "الأطفال يحتاجون رعاية، لكني عاجزة، كل مرة أحاول أن ألعب معهم ينتهي بي الأمر مستلقية، أحاول أن أستعيد أنفاسي، الوصول إلى المستشفى صعب جدًا، والأدوية غير متوفرة دائمًا أو غالية، وهذا يجعل كل أزمة أشد خطورة".

وتكمل بحسرة: "حتى أبسط الأمور مثل غسل الملابس أو تحضير الطعام أصبحت مهمة ثقيلة، أحيانًا أضطر للانتظار ساعات لأستعيد أنفاسي بعد أي حركة بسيطة، وكل خطوة بين الركام تشعرني بأنني أخوض معركة جديدة، الهواء أصبح خصمًا دائمًا، والرؤية محجوبة بالغبار".

"كابوس طويل"..

أما أبو يامن بكر يجلس على حافة أنقاض ما تبقى من منزله المهدّم، يضع يده على صدره ويحاول أخذ نفس عميق قبل أن يبدأ بالحديث: "أشعر وكأنني لم أستيقظ من كابوس طويل"، يقول بصوتٍ مبحوح، والدموع تتلألأ في عينيه، "المنزل انهار علينا فجأة، والركام يحاصرنا من كل جانب، والدخان يختلط برائحة الصواريخ، كنت أعاني من أزمة ربو حادة، ولم أستطع التنفس، شعرت أن الموت يقترب مني بكل ثانية".

يتذكر لحظاته بين الركام، "خمس ساعات كنت محاصرًا تحت الحطام، كل دقيقة كأنها دهر، حاولت أن أصرخ، لكن الغبار والدخان منعاني من الكلام، والحركة كانت مستحيلة، شعرت بالعجز الكامل، وكأن العالم كله توقف عن الوجود من حولي".

يضيف أبو يامن: "كنت أخاف أن أنفاسي الأخيرة تكون هنا، بين الأنقاض، لا أحد يستطيع الوصول إلي بسرعة، أي صوت مفاجئ كان يثير قلبي، أي حجرة تسقط تزيد من شعوري بالاختناق والرعب".

وعن اللحظة التي تم انتشاله فيها، يقول وهو يحاول تنظيم أنفاسه: "حين رفعوني من الركام، شعرت وكأنني ولدت من جديد، لكن جسدي لا يزال ضعيفًا، ورئتاي متعبة جدًا، الربو جعل التنفس صراعًا إضافيًا وسط كل هذا الخراب".

ويختم أبو يامن حديثه بنبرة حزينة وعميقة، "لم أعد أبحث عن أي رفاهية، كل ما أريده الآن هو أن أتنفس بحرية، أن أعيش يومًا بلا خوف، وأن أشعر أني موجود بين أطفالي الذين تبقوا بعد استشهاد والدتهم وأخوهم الصغير، بعيدًا عن الغبار والركام والدخان، هذا كل ما تبقى لي".

"ملوثات كيميائية"..

تقول الطبيبة إيمان عودة، طبيبة عامة ومتخصصة بأمراض الجهاز التنفسي، إن التعرض للركام والغبار والدخان بعد الحرب في غزة يؤدي إلى زيادة حادة في حالات الربو الحاد والنوبات التنفسية، خصوصًا بين الأطفال وكبار السن، بسبب دخول جزيئات دقيقة إلى الرئتين تسبب التهابات حادة.

وتوضح "عودة" أن المواد العالقة في الهواء بعد القصف تحتوي على ملوثات كيميائية وميكروبية، وهذه الجسيمات الصغيرة جدًا تصل إلى الشعب الهوائية الدقيقة، فتسبب تهيجًا شديدًا للأغشية المخاطية وزيادة إنتاج المخاط، مما يزيد من صعوبة التنفس ويحفز نوبات الربو.

وتشير إلى أن ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة في بيئة غزة بعد الحرب يزيد من تثبيط الأوكسجين ويضاعف أثر الغبار على الرئتين، كما أن تراكم المواد العضوية والرماد يزيد احتمالية العدوى التنفسية الثانوية لدى المرضى.

وتبين "عودة" أن نقص الأدوية الأساسية مثل موسعات الشعب الهوائية والكورتيزون الاستنشاقي يزيد من خطورة الأزمة، لأن المرضى يصبحون أكثر عرضة لنوبات متكررة وحادة، مع احتمال دخول المستشفى أو التعرض لمضاعفات خطيرة مثل فشل الجهاز التنفسي.

وتوضح الطبيبة أن التعرض المستمر للغبار والرماد يؤدي إلى تفاقم الالتهاب المزمن في الشعب الهوائية، وقد يتسبب في حدوث تليف رئوي على المدى الطويل، خاصة لدى الأطفال الذين لا تزال رئاتهم في طور النمو.

وتؤكد "عودة" أن تأثير الركام والغبار على الجهاز التنفسي بعد الحرب يعتبر من أخطر الأضرار الصحية، حيث يضاعف من معدل النوبات الحادة ويزيد خطر الأمراض المزمنة ويشكل تحديًا كبيرًا للقطاع الطبي في غزة، حتى مع المتابعة عن بعد.