في غزة المحاصرة، لا تكتفي حرب الإبادة الإسرائيلية بسرقة الأرواح والمنازل، بل تترك خلفها معاناة صامتة تنخر في أجساد الصغار.
بين ركام البيوت ونقص الغذاء وانهيار المستشفيات، يكافح أطفال مصابون بمرض السكري للبقاء على قيد الحياة، محرومين من أبسط مقومات العلاج والغذاء، فيما تتهددهم مضاعفات قاتلة في أي لحظة.
في أحد مراكز الإيواء بمدينة غزة، يجلس الطفل آدم (10 أعوام) متكئًا على حائط، يحاول إخفاء ألم وخز الإبرة في ذراعه. بصوت خافت يقول لـ "وكالة سند للأنباء": "كنت أستطيع أخذ الإنسولين في بيتي، وأمي كانت تحضر لي الطعام اللي بناسبني، لكن الآن لا يوجد بيت ولا طعام، أحيانًا أشعر بدوخة شديدة، وأخاف أن أنام ولا أستيقظ".
والد آدم، الذي كان يعمل صيادًا قبل الحرب، يضيف بحزن: "لم يعد هناك إنسولين كافٍ، وحتى لو وجدناه لا نستطيع حفظه، الكهرباء مقطوعة والأدوية غالية جدًا، طفلي يحتاج غذاءً خاصًا، لكننا بالكاد نجد الخبز".
في غرب مدينة غزة، تروي الطفلة سارة (9 أعوام) قصتها وهي تمسك يد والدتها: "أحب اللعب مع صديقاتي، لكنني الآن بقدرش، جسمي ضعيف ودايما أشعر بالتعب، أحيانًا أطلب من أمي تفاحة، فتقول لي لا يوجد".
والدتها، التي تحاول حبس دموعها، تقول لـ "وكالة سند للأنباء": "السكري عند الأطفال يحتاج رعاية دقيقة، ونحن الآن بلا طعام مناسب، ولا أدوية، ولا حتى ماء نظيف، أخشى أن أفقدها فجأة بسبب هبوط السكر".
المشهد الطبي أكثر قتامة، كما تصفه الحكيمة ميسرة محمد: "الوضع الحالي يهدد حياة جميع مرضى السكري، خاصة الأطفال، الأنسولين يجب حفظه في درجة حرارة منخفضة، وهذا شبه مستحيل في ظل انقطاع الكهرباء، إضافة إلى ذلك، الحرب تسببت في مجاعة، والنظام الغذائي الصحي أصبح حلمًا، نحن أمام كارثة صحية حقيقية، إذا لم يُسمح بدخول الأدوية والمستلزمات فورًا، سنشهد وفيات لا يمكن إحصاؤها".
تحذير وسط الجحيم..
أطباء غزة يحذرون من أن أي تأخير في توفير الدواء قد يعني وفاة طفل خلال ساعات. وبينما يواجه أطفال العالم مخاوف الامتحانات أو اللعب، يواجه أطفال غزة حسابات جرعات الإنسولين ومخاطر ارتفاع أو انخفاض السكر بشكل مفاجئ.
وسط هذا الجحيم، تبقى أمنية آدم بسيطة: "أريد أن أعيش، فقط أعيش"، بينما تحلم سارة بيومٍ تستطيع فيه أكل تفاحة دون خوف، أحلام صغيرة، لكنها في غزة أصبحت أكبر من أن تتحقق.
أصوات هؤلاء الأطفال ليست مجرد قصص فردية، بل صرخة جماعية تمثّل آلاف المرضى في غزة، الذين يواجهون الموت البطيء وسط حصار خانق وحرب لا ترحم.
ويناشد آباء الأطفال المرضى، بإنقاذ أبنائهم، مؤكدين أن إنقاذ هؤلاء الصغار ليس خيارًا، بل واجب إنساني وأخلاقي، فكل دقيقة تأخير قد تعني قلبًا صغيرًا يتوقف عن النبض، وحلمًا بريئًا يُدفن تحت ركام الصمت والخذلان الدولي.
ومؤخرًا، حذرت وزارة الصحة بغزة من كارثة صحية وشيكة تهدد حياة آلاف المرضى في القطاع، جراء النقص الحاد والمتواصل في الأدوية والمستلزمات الطبية.
وأوضح القائم بأعمال مدير عام الصيدلية في وزارة الصحة في غزة، زكريا أبو قمر، في تصريحات صحفية على أن 47% من أصناف الأدوية الأساسية مفقودةٌ تمامًا، فيما بلغت نسبة النقص في المستهلكات الطبية 65 %، وهذا يعني فعليًا أن ما يقارب نصف الخدمات الدوائية في قطاع غزة أصبحت معطّلة.
وبين أبو قمر أن أكثر من 51 في المئة من أدوية الرعاية الأولية الخاصة بمرضى السكري، والضغط، والقلب، والفشل الكلوي غير متوفرة، ما يُجبر المرضى للجوء إلى علاجات بديلة أقل فعالية، قد تعرّضهم لمضاعفات خطيرة.
