الساعة 00:00 م
السبت 18 يوليو 2026
22° القدس
21° رام الله
21° الخليل
25° غزة
4.09 جنيه إسترليني
4.28 دينار أردني
0.06 جنيه مصري
3.47 يورو
3.04 دولار أمريكي
4

الأكثر رواجا Trending

"غزة مُباشــر".. ثلاثـة شُهــداء في 7 خُروقـات إسـرائيليـة جديـدة لـ "الهُدنـة"

من التستر إلى الإسناد.. هكذا أصبح جيش الاحتلال قبضة حديدية للمستوطنين

غياب الأنسولين يحوّل حياة مرضى السكري في غزة إلى كابوس يومي

حجم الخط
مرضى السكري
غزة – إيمان شبير – وكالة سند للأنباء

يقف مرضى السكري في غزة أمام عدو صامت يلتهم الأجساد ويخطف الحياة تدريجيًا، أسطوانات الأنسولين شبه معدومة، وشرائط الفحص والمستلزمات الطبية الأساسية اختفت كما لو لم تكن، ما يحوّل الحياة اليومية إلى عدّ تنازلي لكل نفس مهدد بالمضاعفات.

آلاف الأرواح تواجه الموت البطيء بلا علاج أو رعاية كافية، فيما يشير الأطباء إلى أن نحو 80 ألف مريض يعانون مضاعفات خطيرة نتيجة غياب التحويلات الطبية ومنع السفر لتلقي العلاج، حالات كثيرة تهبط إلى مستويات حرجة تحتاج رعاية دقيقة ودواء عاجل لا توفره الإمكانيات المحدودة، فتُترك الحياة رهينة نقص الدواء.

يحتاج كميات كبيرة من الأنسولين

تجلس أم رياض جرادة أمام خيمتها المهترئة على شاطئ بحر غزة، وهي أم لفتى يبلغ من العمر 15 عامًا مصاب بالسكري، تقول:"ابني رياض يحتاج إلى كميات كبيرة من الأنسولين، اليوم صرت أحسب نفسه قبل نومه لأنه ورث السكري من العائلة، لكن المرض تفاقم معه."

وتضيف لـ "وكالة سند للأنباء": "مستوى السكر لدى ابني يتقلب بشكل خطير منذ انقطع العلاج، كل يوم أتنقل بين المراكز الصحية وأعود من دون أي إبرة. أنا خايفة على ابني لأنه صار نظره ضعيف."

وتشرح أن نقص الغذاء يزيد الوضع سوءًا، إذ يحتاج الطفل لأكل محدد لموازنة السكري، لكنهم يعيشون على أي طعام متاح.

خسر ساقه بسبب المرض

أما أبو أدهم كحيل (66 عامًا) فيجلس على كرسيه المعدني المهتز، يمرر يده على موضع البتر في ساقه، ويقول بصوت موجع: "خسرت ساقي من المرض، لكن البتر ما كان مصيري لو كان العلاج موجود بوقته".

بدأت مشكلته بجرح صغير في قدمه، لكن حين قصد المراكز الصحية وجدها بلا أدوية وبلا ممرضين، يقول: "لفّيت صيدليات ولم أجد مرهمًا ولا مضادًا، كل شيء فاضي".

وتفاقم الالتهاب مع ارتفاع مستوى السكر حتى وصل حد الإغماء، وعندما وصل إلى مستشفى المعمداني شرق غزة كانت حالته قد تدهورت بشدة.. "الدكتور نظر قليلاً وقال: لو العلاج كان متوفر من البداية، ما كنا وصلنا للبتر".

أما أبو أدهم كحيل (66 عامًا) يجلس على كرسيه المعدني المهتز، يمرّر يده على موضع البتر كما لو أنه يتحسس فراغًا لا يمكن تعويضه، يرفع نظره ويقول بصوت خافت لكنه حادّ: " خسرت ساقي من المرض، لكن البتر ما كان مصيري لو كان العلاج موجود بوقته"، هكذا يبدأ سرد حكايته مع السكري وسط حرب لا ترحم شيء.

بدأت القصة بجرح صغير في قدمه، جرحٌ لا يحتاج أكثر من مضاد حيوي وضمادة بسيطة، لكن حين قصد المراكز الصحية، وجدها بلا أدوية، وبلا ممرضين قادرين على تقديم شيء، يقول: "لفّيت صيدليات ما لقيت مرهم ولا مضاد، كله فاضي".

ومع مرور الأيام، بدأ الالتهاب يتوسع ويأكل الجلد، فيما كان مستوى السكر يقفز حدّ الإغماء.

يضيف لمراسلتنا: "كانت رجلي تورم وتحمر وتوجع نار، وأنا حتى ما معي جهاز أعرف السكر لوين واصل." عندما تمكن من الوصول لمستشفى المعمداني شرق مدينة غزة، كانت الحالة قد تدهورت بشكل خطير، يخفض صوته وهو يستعيد اللحظة: "الدكتور نظر شوي وقال: لو العلاج كان متوفر من البداية، ما كنا وصلنا للبتر".

الوضع الصحي في المستشفيات والمراكز الطبية

يكشف رئيس قسم الغدد الصمّاء في مستشفى غزة الأوروبي، الدكتور أحمد أبو طه، عن صورة قاتمة لمرضى السكري في القطاع إذ بلغت نسبة الإصابة نحو 18% من السكان، لكن الحرب الأخيرة ضاعفت خطر المرض وتداعياته.

ويقول أبو طه لـ "وكالة سند للأنباء": "اختلال نمط الحياة خلال الحرب واعتماد آلاف العائلات على وجبات غير منتظمة أو فقيرة غذائيًا أدّى إلى اضطراب واسع في مستويات السكر لدى المرضى، بالتزامن مع نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية الخاصة بهم".

ويضيف أن مراكز الرعاية الأولية تكاد تكون فارغة من معظم الأدوية الأساسية، إذ لا يتوفر منها إلا 10% مما كان موجودًا قبل العدوان، فيما اختفت أجهزة فحص السكري بشكل كامل، ما يجعل متابعة الحالة الصحية شبه مستحيلة.

أما الأنسولين، العلاج الأكثر أهمية وارتباطًا بحياة المريض اليومية، فيعاني عجزًا يتجاوز 80% بسبب عدم سماح الاحتلال بدخول الكميات الكافية من أدوية الأمراض المزمنة، ما أدى إلى تفاقم وضع المرضى ووصول كثير منهم إلى مراحل حرجة.

 

ويؤكد أبو طه أن غياب علاجات السكري لم يكن مجرد أزمة دوائية، بل تحوّل إلى تهديد مباشر لحياة المرضى، إذ سُجّلت حالات بتر وتسمم جروح والتهابات حادة يمكن تفاديها لو توفرت الأدوية في الوقت المناسب.

تحذيرات من مضاعفات خطيرة

أما أخصائي الأمراض الباطنية، الدكتور محمد لبادة، فيشير إلى أن الوضع الصحي والإنساني في قطاع غزة شديد الصعوبة، مع نقص واضح في الأدوية وأجهزة الفحص والمستلزمات الطبية الأساسية، إلى جانب قلة الكوادر وصعوبة إيصال العلاج والخدمات.

ويقول لبادة لـ "وكالة سند للأنباء": "النوع الأول من مرض السكري يعتمد كليًا على الأنسولين، وغالبًا يصيب الأطفال أو صغار السن، وهم الأكثر تضررًا عند انقطاع الدواء".

أما النوع الثاني فهو أقل حدة من حيث الحاجة للأنسولين، لكن مقاومة الجسم له عالية، لذلك تستخدم أدوية تعمل على زيادة فعالية الأنسولين أو تقليل مقاومته، وفق الطبيب.

ويشرح أن الجرعات تختلف حسب وزن المريض وظروفه الصحية والأمراض المرافقة، ولا توجد جرعة واحدة تصلح للجميع، ما يجعل المتابعة المستمرة أساسية لتجنب أي مضاعفات.

ويُحذر من أن انقطاع الأنسولين لدى مرضى النوع الأول يؤدي إلى أذية مباشرة قد تصل إلى الموت، بينما تشمل المضاعفات طويلة المدى الكلى والعينين والشرايين، وتزداد خطورتها عند نقص الدواء.

ويشير إلى أنّ "أعراض الانقطاع تتدرج من الجفاف الناتج عن كثرة التبول واضطرابات الأملاح، وصولاً إلى حموضة الدم وتأثر القلب والدماغ والغيبوبة، وقد تصل إلى الوفاة".

ويؤكد لبادة أن الأنسولين علاج أساسي لا بديل له، وأن السوائل الوريدية والملح قد تساعد مؤقتًا لساعات محدودة فقط، لكنها لا تغني عن العلاج الفوري.

ويُشدد أنّ "الأنسولين ليس رفاهية، إنه حياة، أي نقص أو تأخير في توفره يعرض المرضى، خصوصًا الأطفال، لمضاعفات حادة وخطر مباشر على حياتهم".