تعيش قرية بورين، جنوب مدينة نابلس، واحدة من أقسى فصول الاستهداف اليومي، في ظل تصاعد اعتداءات المستوطنين وجيش الاحتلال، لتتحول حياة الأهالي إلى معركة بقاء في وجه التوسع الاستيطاني.
كالسوار الخانق، تحاصر 3 مستوطنات قرية بورين التي تبلغ مساحتها نحو 18 ألف دونم، مستوطنة "يتسهار" من الجنوب، و"جفعات رونين" من الشرق، و"براخا" من الشمال.
ويبتلع الاستيطان 12 ألف دونم من مساحتها، أي ما يعادل ثلثي مساحتها، وفق ما أفاد به رئيس مجلس بورين إبراهيم عمران.
ويضيف عمران في حديث خاص لـ "وكالة سند للأنباء": "المساحات المصادرة من القرية باتت إما مقامة عليها مستوطنات أو مصنفة (ج) تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة، وما تبقى من أراضٍ يواجه خطر المصادرة يومًا بعد يوم".
ويصف اعتداءات المستوطنين بأنها "يومية ومتصاعدة"، موضحًا أن ما كان قبل السابع من أكتوبر أعمالًا فردية وعشوائية، تحوّل بعدها إلى هجمات منظمة ومحمية من جيش الاحتلال.
ويضيف: "المواطنون يتعرضون للسحل والضرب، وأراضيهم تُحرق، وأشجار الزيتون تُقطع، وممتلكاتهم تُسرق، فيما تُضرم النار في مركبات المزارعين وتُصادر معداتهم الزراعية".
ويسرد عمران حادثة اعتداء هي الأولى من نوعها، إذ كان الشاب عمرو مراد نجار يتجول على خيله في أراضي القرية المصنفة (ب)، ليتفاجأ بحارس المستوطنة الذي اعتدى عليه واختطفه وتم اقتياده للمستوطنة والاعتداء عليه بالضرب المبرح، قبل أن يُفرج عنه بعد ساعات.
ويشير "ضيف سند"، إلى أن الاحتلال والمستوطنين طردوا مؤخرًا عائلتين من منازلهما وسط البلدة، يعودان للمواطنين خضر عز النجار ورباح سعيد الجعفري، بعد أن أمهلوهما 24 ساعة لإخلائها، واتخذوها ثكنة عسكرية للمبيت بداخلها.
وتشهد بورين، بحسب عمران، اقتحامات يومية يتخللها إطلاق قنابل الصوت والغاز والرصاص، ومداهمات لمنازل المواطنين وتخريب محتوياتها، في محاولات مستمرة لـ"إثبات الوجود وبثّ الرعب في نفوس الأهالي".
ويؤكد رئيس المجلس: "الاحتلال يريد أن يرسل رسالة لأهالي البلدة بأن بيوتهم مستباحة، وأن أي مواجهة أو حتى رشق بالحجارة ستقابل بتدمير المنازل واقتحامها".
موسم الزيتون.. عيد تحوّل إلى مأساة
وفيما يخص موسم الزيتون، يعبّر عمران بحسرة قائلاً: "كان موسم الزيتون عيد الريف الفلسطيني، يجتمع فيه الجميع في أجواء مليئة بالبهجة، لكن اليوم أصبح الموسم مغمسًا بدماء الفلاحين، يذهبون إلى أرضهم وهم يحملون أرواحهم على أكفهم، كأن المستوطنين أصحاب الأرض ونحن الغرباء عنها".
ويقول: "موسم الزيتون هذا العام من أخطر المواسم التي تمر على القرى الفلسطينية، بسبب تصاعد اعتداءات المستوطنين ومنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم. يسرقون زيتوننا أمام أعيننا، ونحن ننظر إليهم من بعيد بحسرة وألم وقهر، دون حول لنا ولا قوة".
"نموذج لمعاناة الريف الفلسطيني..
وتجسد بورين اليوم نموذجًا مصغرًا لما يعيشه الريف الفلسطيني في مختلف مناطق الضفة الغربية، حيث تتكامل أدوات الاحتلال من جيشٍ ومستوطِنين في فرض واقع استيطاني خانق يستهدف الأرض والإنسان معًا.
وتؤكد الوقائع أن الاعتداءات لم تعد أحداثًا فردية، بل سياسة ممنهجة تهدف إلى تفريغ القرى الفلسطينية من سكانها الأصليين، وتحويلها إلى مناطق عازلة لصالح التوسع الاستيطاني.
من جانبه، يقول الناطق باسم لجان المقاومة الشعبية جنوب نابلس نمر عيسى الطيراوي، إن قرية بورين يسكنها نحو 4500 نسمة، يعتمدون بشكل أساسي على الزراعة وموسم الزيتون، إذ تقع غالبية أراضيهم في مناطق مصنفة (ج) وتحت الخط الاستيطاني المعروف بـ"شارع يتسهار".
ويوضح الطيراوي في حديثه لـ"وكالة سند للأنباء"، أن أراضي بورين تحتضن أشجار زيتون رومانية يقدّر عمر بعضها بأكثر من 800 عام، مضيفًا أن القرية تتعرض لـ"امتداد استيطاني سرطاني" منذ عام 2009، حيث أعدم المستوطنون حرقًا أو قطعًا أو برش مواد كيماوية أكثر من 150 ألف شجرة زيتون تتراوح أعمارها بين 50 و800 عام.
اقتحامات يومية..
ويتكرر اقتحام بورين منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، بشكل شبه يومي، حيث ينفذ المستوطنون اقتحامات واعتداءات وهم يرتدون الزي العسكري، وفق "الطيراوي".
ويضيف: "اقتُحمت قرية بورين مئات المرات خلال الحرب، وقتل ثلاثة أطفال من القرية خلال 24 ساعة، وأُحرقت أشجار واقتحمت منازل وحاولوا حرقها".
وعن الحياة اليومية لأهالي القرية، يحدثنا أن الأطفال أصبحوا لا يخرجون من منازلهم إلا بعد متابعة الأخبار على مجموعات المتابعة عبر هواتفهم، كما أن السهرات الاجتماعية الليلية انعدمت، إذ يعمّ الرعب والخوف القرية مع حلول الليل خشية من اقتحامات المستوطنين الذين باتوا يدخلون إلى وسط البلدة وبين المنازل.
ويتابع: "للعام الثالث على التوالي، نحن غير قادرين على الوصول إلى أراضينا لقطف الزيتون، بينما يأتي المستوطنون مع عائلاتهم ويمارسون طقوسنا الفلسطينية في الحقول ويسرقون محصولنا وكأنهم أصحاب الرزق".
ويضيف الطيراوي: "يسرق المستوطنون المحصول وطقوسنا، يصنعون طعامهم على النار في حقولنا ويصورون أنفسهم وينشرون على مواقع التواصل وكأنهم أصحاب الأرض".
ويوضح أنه يملك مع أشقائه 10 دونمات من الزيتون قرب شارع "يتسهار" الاستيطاني، محرومون من الوصول إليها منذ ثلاث سنوات، ويقول: "هذا الموسم الثالث الذي يمر ونحن محرومون من زيتوننا، حاولنا العام الماضي الوصول إليها فتم اعتقالنا، بينما هناك مواطنون هاجمهم المستوطنون وسرقوا الزيتون من ساحات منازلهم أمام أعينهم".
ويؤكد ضيفنا، أن "المستوطن معه كل الصلاحيات ليقتل ويعربد، وتحت حماية الجيش، تجاوزوا كل الخطوط الحمراء، ولا يوجد لديهم أي محرمات".
ويشدد الناطق باسم لجان المقاومة، على أهمية دعم المزارع الفلسطيني في بورين وغيرها من القرى التي تواجه الاستيطان وحيدة، ويقول: "المؤسسات مقصّرة بحق المزارعين، فالدعم حتى لو كان معنويًا أمر ضروري، إضافة للدعم المادي فهو مهم جدًا لبقاء المزارع صامدًا في أرضه، لكنه تُرك وحيدًا".
