بين الأزقة المزدحمة في القاهرة والأسواق المكتظة بضجيج الحياة، يعيش آلاف الفلسطينيين الذين فرّوا من جحيم القصف في قطاع غزة منذ اندلاع حرب الإبادة الإسرائيلية قبل نحو عامين. وقد امتزجت مشاعرهم بين الارتياح لقرار وقف القتال والخوف من المجهول الذي ينتظرهم إذا ما قرّروا العودة.
ورغم قسوة اللجوء المؤقت والإحساس المرهق بالضياع، يؤمن العالقون في مصر أن لحظة العودة ستأتي فهم يحملون غزة بقلوبهم حيثما ارتحلوا.
وبحسب تقارير أممية وتصريحات من الجانبين المصري والفلسطيني، فقد غادر أكثر من 100 ألف فلسطيني قطاع غزة إلى مصر منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 وحتى إغلاق معبر رفح في مايو/أيار 2024، ليصبح آلافٌ منهم اليوم عالقين بانتظار قرار يسمح لهم بالعودة.
سنعود إلى لا شيء؟
سوزي أحمد، فلسطينية تسكن في القاهرة منذ مارس 2024، تلخص مخاوف العالقين قائلة لـ"وكالة سند للأنباء": "بيتنا دُمّر بالكامل.. المدارس والمستشفيات تحوّلت إلى ركام، العودة الآن تعني خيمة بلا خدمات. لكننا سنعود".
ورغم محاولتها التأقلم مع حياة اللجوء المؤقت، عبر متابعة أطفالها لدروسهم عبر الانترنت ومساعدة الجالية من خلال صفحة أنشأتها عبر "فيسبوك"، فإن الحنين للوطن يبقى سيد الموقف.
وتضيف "أحمد": "غزة تبقى في القلب.. حتى لو صارت كومة حجارة".
طلابٌ خلف الشاشات
منيب صادق، شاب عشريني، يكمل فصوله الجامعية عبر الإنترنت بعد أن فقد منزله، يقول بمرارة: "العودة الآن قفزة في الظلام.. لا بنية تحتية ولا خدمات ولا أمان".
ويخشى منيب تجدد القصف وفوضى القرارات، مضيفاً:"لا ضمانات مع آلة القتل الإسرائيلية".
لمّ الشمل المتعثر
أما يوسف مصطفى، طالب طب في مصر، فينتظر بفارغ الصبر لقاء أسرته التي تنقلت بين أماكن النزوح داخل القطاع، وفي حديثه لـ"سند"، يوضح: "إن لم تغادر عائلتي للعلاج قريبًا فقد لا أراهم هذا العام.. وإذا أُغلق المعبر مجددًا، فقد تمتد السنوات".
بوابة الحياة المعلّقة
ويظل مصير معبر رفح البري معلّقًا بتنفيذ بنود اتفاق وقف إطلاق النار، إذ أعلنت السفارة الفلسطينية في القاهرة، عن إعادة فتحه في 20 أكتوبر/تشرين الأول الجاري لتمكين الفلسطينيين المقيمين في مصر والراغبين بالعودة من السفر إلى غزة.
لكن بعد ساعات فقط، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بتهم تتعلق بجرائم حرب، استمرار إغلاق المعبر حتى إشعار آخر، مشترطًا تسليم حركة "حماس" جثث الأسرى الإسرائيليين.
غزة.. مدينة تنهض من تحت الرماد
في الخلفية، تقف أرقام الدمار شاهدة على حجم الفاجعة، حيث أفاد المكتب الإعلامي الحكومي في تصريح سابق، أن 300 ألف وحدة سكنية دُمّرت كليًا، و200 ألف أخرى تضررت جزئيًا، فيما خرج 128 مستشفى ومركز رعاية صحية عن الخدمة.
وتضررت 95% من المدارس بفعل القصف، وتوقفت 85% من مرافق المياه والصرف الصحي عن العمل.
من جانبه أوضح مسؤول في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن العدوان خلّف ما لا يقل عن 55 مليون طن من الأنقاض في القطاع، الأمر الذي يجعل إعادة الإعمار مهمة شاقة تتطلب سنوات طويلة وجهودًا دولية واسعة.
