رغم الدمار والحزن والفقد، أثبتت الطالبة بنان قدّوحة أن العزيمة لا تُقهر، بعد أن حصدت معدّل 93% في الفرع العلمي باختبارات الثانوية العامة في قطاع غزة، لتروي قصة نجاحها التي تحوّل فيها الألم إلى قوة وإصرار.
وأعلنت وزارة التربية والتعليم صباح اليوم الخميس نتائج الثانوية العامة لطلبة مواليد 2007 في قطاع غزة، حيث تقدم للامتحانات نحو 31 ألف طالب وطالبة، بعد عامين صعبين من الحرب والدمار.
ووسط هذا النجاح الجماعي، تبرز قصة بنان فهي الناجية الوحيدة إلى جانب والدتها من عائلة فقدت جزءًا كبيرًا بسبب الاحتلال، وعاشت مع أخوالها بعد رحيل والدها.

تروي والدتها، أم البراء لـ "وكالة سند للأنباء" "فقدنا الكثير، زوجي وبناتي، ثم استُشهد أخوها براء وزوجته، ثم أخوال بنان واحدًا تلو الآخر.. كنت أخفي حزني عنها كي لا تنكسر، وحتى وأنا أودّع الأحبّة، كنت أتمالك نفسي لأجلها".
وتتابع الأم بصوت يختلط فيه العَبرة بالاعتزاز: "عندما استُشهد شقيقها براء، مزّقت بنان كتبها ودفاترها، ورفضت أن تكمل دراستها. لكن حين أعلنت الوزارة استمرار الدراسة، أصررتُ عليها أن تعود… وعدتُها أن أكون سندها، فكانت أقوى مما توقعت".
أما بنان تحكي لمراسلنا رحلتها بصوت خافت لكنه مفعم بالإصرار: "كنت أبدأ الدراسة، فيرتقي أحد أحبائي.. مزّقت كل أوراقي ولم أعد أقوى على النظر في أي كتاب. بعد قصف بيت خالي عليّ، استُشهد هو وعائلته، ثم خالي زيد، وخالي إياد.. كل مرة أحاول أن أتماسك، يخطف القدر مني روحًا جديدة."
وتضيف: "كنا نعاني المجاعة، ولا طاقة لنا على الدراسة. كنت أجلس في الظلام وأتساءل: هل سأعيش لأقدم الامتحان أصلًا؟".
ثم جاء المنام الذي غير حياتها عن ذلك تُخبرنا: "رأيت في منامي أخوالي الشهداء إياد وزياد، جاءا ليهَنّي بنجاحي في الاختبارات.. استيقظت وأنا أبكي، لكن لأول مرة من الفرح، شعرت أنهم يقولون لي: تابعي، نحن فخورون بك".

من تلك الليلة، قررت بنان البدء من جديد: "درست ليلًا ونهارًا، حبست نفسي شهرين كاملين في البيت، وختمت المنهاج أربع مرات. لم أخرج ولم ألتفت لأي شيء… كنت أقول: هذه المرة سأهدي نجاحي لكل من رحل".
وعند ظهور النتائج صباح اليوم، صمتت لوهلة ثم انفجرت بالبكاء: "بكيت طويلًا، ليس لحزني، بل لأنني أخيرًا فعلتها. تفوقت رغم الحرب، رغم الجوع، رغم كل شيء".
وأهدت بنان قدّوحة نجاحها الكبير إلى شهداء عائلتها، وإلى كل أم صابرة تنتظر أبناءها تحت الركام، مؤكدة أن تفوقها ليس فقط إنجازًا شخصيًا، بل رسالة أمل لكل من فقدوا أحبّاءهم وسط الحرب والدمار.
