بين ركام بيته المهدّم، وبين الأرض المحروقة التي صارت شاهدة على موت المدينة، يمسك الفنان التشكيلي خالد حسين الطين بين يديه، كأنّه يحمل قلب شعبٍ كله وجع وخوف وخذلان.
الطين يتكلم، كل قبضة منه تصرخ بما لا تستطيع الكلمات حمله، وكل وجه يشكله على يديه يحمل ملامح الموت والجوع والفقد، في هذا الخراب، يتحوّل النحت إلى شهادة، والفن إلى صرخة صامتة، والذاكرة إلى قوة تتحدى العنف والاقتلاع، بين أصابعه، يولد الإنسان الفلسطيني من جديد، بكل وجعه، بكل فخره، وبكل رفضه للنسيان.
"ملامح أخفاها الخوف"..
يقول خالد حسين، الفنان التشكيلي من مدينة رفح جنوبي قطاع غزة، إنّ رحلته مع النحت بالطين لم تبدأ في محترفٍ هادئ، بل بدأت فوق ركام بيته المهدّم، حيث فقد منزله وكل أعماله، وانتقل إلى دير البلح بحثًا عن بداية جديدة، قبل أن يكتشف في الطين حقلًا بصريًا قادرًا على التقاط الوجع الفلسطيني بكل تجلياته.
ويشرح حسين في مقابلةٍ مصوّرة لـ "وكالة سند للأنباء"، أنّ اختياره للنحت بالطين لم يكن صدفة؛ فلهذا الفن - كما يوضح- تأثير بصري قوي على الفنان وعلى المُتلقي، ويمنح مساحةً للتفاعل بينهما، حتى يتحول العمل الفني إلى شاهد حيّ، يلتقط الملامح التي أخفاها الخوف والجوع والفقر والخذلان.
"الطين يترك علامات"، يقول: "علامات تتحول إلى ذاكرة وشهادة في مواجهة العنف والموت والاقتلاع الفلسطيني من أرضه".
ويستعيد أحد المشاهد المؤسِسة لهذه التجربة، كان يمرّ قرب أحد البيوت المقصوفة، وبفعل شدّة الانفجار انخفضت الأرض من حوله سبعة أمتار كاملة، هناك، وسط الغبار والفراغ، جمع حفنةً من الطين، حملها معه، جهّزها، وبدأ يعيد تشكيل الوجوه التي التقطتها ذاكرته، ومع كل محاولة نحت، كانت ملامح جديدة تظهر؛ ملامح خوف، وموت، وخذلان، تعبّر عمّا مرّ به أبناء شعبه.
ويؤكد حسين أن أعماله ليست مجرد منحوتات، بل سرديات إنسانية تُظهر حجم الألم الذي عاشه الفلسطينيون في الحرب، فكل قطعة طين - كما يصف- تختزن صرخةً، أو نظرة فزع، أو وجع أم فقدت بيتها، أو طفل ضاع صوته في الركام.
