مياه بركة الشيخ رضوان تتسلل إلى كل زاوية من حياة سكان شمال غزة، مخلوطة بالصرف الصحي، ترتفع بلا توقف، وتضغط على المباني المتصدعة كأنها تهدد بابتلاع كل ما حولها، الرائحة خانقة، والطرق المحيطة غارقة، حتى الخطوات اليومية صارت مغامرة.
الأطفال محرومون من اللعب بالقرب منها، يختبئون بين جدران متهالكة، والكبار يمشون بحذر، يراقبون ارتفاع المياه لحظة بلحظة، يجهزون أنفسهم لأبسط الاحتمالات الممكنة، بينما كل مطر جديد يهدد بتحويل بركة الشيخ رضوان إلى كارثة حقيقية.
وتتزايد مخاوف أهالي الشيخ رضوان في شمال غزة مع كل لحظة تمرّ، إذ ارتفع منسوب مياه الصرف الصحي في البركة الكبيرة إلى مستويات تنذر بكارثة صحية حقيقية، البركة التي كانت مصدر تنظيم لمياه الأمطار والصرف الصحي تحوّلت اليوم إلى تهديد مباشر للمنازل والأحياء المحيطة، وبين تحذيرات البلدية وقلق السكان، يتنامى شعور عام بأن الكارثة أصبحت أقرب من أي وقت مضى.
ومع اتساع مساحة الدمار وقلة الأماكن الصالحة للسكن، اضطر المئات من النازحين إلى نصب خيامهم على مقربة مباشرة من البركة، حتى باتت بعض العائلات تفصلها عنها أمتار قليلة فقط، هذا القرب القسري خلق حالة خوف يومية؛ فالعائلات التي هربت من القصف تجد نفسها اليوم مهددة من جهة أخرى، مياه ثقيلة ملوّثة يمكن أن تنفجر في أي ليلة ممطرة.
"منسوب المياه"..
يقول المتحدث باسم بلدية غزة، حسني مهنا، إن وضع بركة الشيخ رضوان يقف اليوم على حافة كارثة حقيقية، بعدما دمّرت الحرب نحو 85% من البنية التحتية في المدينة، وحرمت المرافق الحيوية من القدرة على أداء أبسط وظائفها.
ويؤكد أن البركة، التي شُيّدت أصلًا لتجميع مياه الأمطار وتصريفها نحو البحر، تحوّلت بفعل الدمار الهائل إلى حوض ضخم تختلط فيه مياه الأمطار بالصرف الصحي وبقايا النفايات، ما جعلها تهديدًا مباشرًا للأحياء السكنية المحيطة ومخيمات النازحين القريبة.
ويشير إلى أن المنطقة المحيطة بالبركة تعرّضت لاستهدافات واسعة، خلّفت مباني مهددة بالانهيار في أي لحظة، فيما أصابت الغارات الجدران الخرسانية للبركة بتصدعات وانهيارات داخلية، وتسببت بتعطل منظومة الكهرباء البديلة أكثر من مرة، ما زاد من صعوبة السيطرة على منسوب المياه.
ويضيف أن القصف ألحق أضرارًا كبيرة بمنظومة الضخ، فلم يبقَ عاملًا سوى مضخة واحدة فقط من أصل خمس، تعمل ببطء شديد، فيما يواصل منسوب المياه الارتفاع حتى وصل إلى 4.5 أمتار، وهو مستوى يصفه بأنه شديد الخطورة، خاصة مع اقتراب المنخفضات الجوية واحتمال هطول أمطار غزيرة قد تدفع بالمياه العادمة إلى الشوارع والمنازل.
ويبيّن مهنا أن بلدية غزة خسرت 134 آلية تشغيلية نتيجة الاستهداف الإسرائيلي، وهو ما قيّد قدرتها على إدارة الأزمة أو تخفيف الضغط عن البركة، مضيفًا أن الطواقم تعمل ضمن إمكانيات شبه معدومة، عبر تشغيل المضخة التي جرى ترميمها مؤخرًا، وصيانة الخطوط المتنقلة، وتنظيف قنوات التصريف بشكل متواصل.
ويشدّد أن الخروج من هذا الوضع الخطير يتطلب تدخلًا عاجلًا يشمل فتح المعابر لإدخال المعدات والمواد اللازمة، وتزويد البلدية بمضخات عالية القدرة، فضلًا عن توفير الوقود بشكل دائم، وصيانة شبكات الصرف المدمّرة، وإعادة تأهيل جدران البركة بشكل كامل.
وتطالب البلدية بإدخال منظومة طاقة بديلة تضمن استمرار عمل مرافق الصرف الصحي في أوقات الانقطاع، لأن أي توقف إضافي قد يعني ببساطة انفجار أزمة إنسانية جديدة في قلب مدينة غزة.
"روائح كريهة وحشرات غريبة"..
تعيش المواطنة إيمان الشعراوي بجانب بركة الشيخ رضوان بحالة من التوتر والخوف المستمرين بسبب بركة الشيخ رضوان التي تحوّلت بعد تدمير خطوط التصريف والمضخات إلى مصدر خطر دائم.
وتصف الوضع بأنه لا يُحتمل، فالمياه ترتفع باستمرار، تقترب من البيوت، وتملأ المكان بروائح خانقة تجعل الحياة اليومية صعبة للغاية، الجدران بدأت تظهر عليها آثار الرطوبة، فيما يشعر السكان بالقلق من أي انهيار محتمل أو تسرب أكبر قد يفاقم الكارثة.
وتشير "الشعراوي إلى أن تسرب مياه الصرف الصحي أثر بشكل مباشر على كل تفاصيل حياتهم اليومية. الشبابيك مغلقة طول الوقت، لا يمكن الجلوس خارج المنازل، وحتى الغسيل أصبح أمرًا صعبًا، بينما المياه الملوثة تغزو الشوارع وتعيق الحركة.
وتلفت إلى الأثر الصحي الخطير على أفراد العائلة، فابنها الصغير أصيب بحساسية شديدة في الجلد، فيما تعاني والدتها من ضيق في التنفس نتيجة الروائح والغازات المنبعثة من المياه الراكدة، في حين تملأ الحشرات كالبراغيث والبعوض المكان، مضيفة أن أي محاولة للتخلص منها لا تتعدى كونها حلولًا مؤقتة.
أما الأطفال، فقد أصبح من المستحيل السماح لهم بالاقتراب من المنطقة، فطرقهم إلى المدارس باتت تتغير لتجنب المرور قرب البركة، والكبار أيضًا يخفون خطواتهم خوفًا من المياه الخارجة عن حدود البركة.
وتصف "الشعراوي" الوضع بأنه حياة في ظل تهديد دائم، حيث الخطر لا يظهر فقط في ارتفاع المياه، بل في كل رائحة وكل حركة حول البركة، ما يجعل من كل يوم تجربة من القلق واليقظة المستمرة.
لا يختلف الحال كثيرًا عن المواطنة أم أحمد المصري، إذ تجلس على حافة الرصيف المطل على بركة الشيخ رضوان، عينيها تتتبع ارتفاع المياه بقلق واضح، تقول بصوت منخفض لكن مشحون بالهم: "الوضع أصبح مرعب، المياه ما توقف عن الارتفاع، وكل مرة نشعر إنو البركة ممكن تنفجر فوق البيوت المتبقية والخيم".
وتضيف "المصري" أن تأثير البركة لا تقتصر على المظهر أو الروائح، بل يمتد إلى صعوبة الحياة اليومية كلها: "حتى السير في الشوارع صار خطر، وبنخاف أولادنا يقربوا على محيط البركة".
وتختم "المصري" كلامها بتنهيدة ثقيلة: "مع كل شتاء ومع كل مطر، نحس إنو خطر جديد ممكن يضربنا في أي لحظة، ما عنا القدرة نحمي حالنا، صار الخوف جزء من حياتنا اليومية، وكل يوم نعيشه تحت تهديد دائم".
