تتواصل الضغوط الإسرائيلية على التجمعات البدوية في النقب عبر مخططات ممنهجة، تتراوح بين أوامر الهدم الشامل وقرارات المحاكم التي تقضي بالإخلاء والترحيل، وآخرها ما حدث في قرية رأس جرابة شرقي مدينة ديمونا في جنوب فلسطين المحتلة.
فبعد سنوات من الإجراءات القانونية، صادقت المحكمة العليا الإسرائيلية، يوم 12 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، على قرار تهجير نحو 500 فلسطيني بدوي خلال مدة أقصاها 90 يومًا، رافضة الاستئناف المقدم من الأهالي ضد قرار المحكمة المركزية في بئر السبع.
الحاج فريج الهواشلة (90 عامًا)، أحد أقدم سكان القرية، يرفض قرار الرحيل عن الأرض التي ولد فيها قبل قيام دولة الاحتلال وقبل إنشاء مدينة ديمونا.
ويقول في حديثه لـ "وكالة سند للأنباء": "سنبقى هنا، هذه أرض الآباء والأجداد، كنا هنا قبل إسرائيل وسنبقى مهما كان قرارهم".
من جهته يؤكد نجله حسن أن السكان خاضوا كل المسارات القانونية، إلا أن المحاكم الإسرائيلية أثبتت أنها "تقف ضد العرب والبدو"، ورفضت تقديم أي حلول أو بدائل.
ويضيف لمراسلنا: "ولدنا هنا، لا نعرف موطنًا غيره. القرار عنصري ويخدم مشاريع بن غفير الاستيطانية التي بدأت منذ إنشاء ديمونا على أراضي عائلة الهواشلة".
ويطالب الأهالي أعضاء الكنيست العرب والجهات السياسية بدعمهم في الفعاليات الشعبية المقرر تنظيمها ضد القرار.
تاريخ القرية وجذورها
تقع قرية رأس جرابة ضمن منطقة نفوذ مدينة ديمونا، ويقطنها نحو 500 نسمة من عائلات الهواشلة وأبو صلب والنصاصرة.
وتتبع أراضي القرية تاريخيًا لقبيلة الهواشلة، وتُعرف باسم "الشعيرية" أو "مركبة الهواشلة"، الممتدة من منطقة كرنب حتى أم دمنى، وهي المنطقة التي احتوت بئر الماء التاريخي الذي أقيمت عليه البيوت الأولى في ديمونا.
من أوامر الإخلاء إلى قرار المحكمة
الناشط سليمان الهواشلة، أحد أبناء العشيرة، أوضح أن القضية تعود إلى عام 2016 حين وزعت "دائرة أراضي إسرائيل" أوامر إخلاء بزعم أن أهالي القرية "غزاة".
ومنذ ذلك الوقت تتنقل المعركة القانونية بين محاكم الصلح والقطرية والعليا.
ورغم سنوات من المتابعة القانونية، جاء القرار الأخير "مفاجئًا ومجحفًا"، إذ يقضي بإخلاء السكان دون أي حلول أو بدائل، ويستهدف هدم 80 منزلاً.
ويشير الهواشلة في حديثٍ لـ "وكالة سند للأنباء" إلى أن القرار يأتي ضمن تصعيد أكبر يستهدف قرى النقب كافة، كتلك التي تتعرض لها قرية السر من حملات هدم متواصلة.
من جانبه، يرى رئيس المجلس الإقليمي للقرى غير المعترف بها في النقب، عطية الأعسم أن قرار تهجير رأس جرابة يأتي ضمن خطة إسرائيلية لضم القرية لصالح توسيع مدينة ديمونا اليهودية، رغم أن القرية قائمة قبل إنشاء المدينة وقبل النكبة.
ويحذر الأعسم في حديثه لـ"وكالة سند للأنباء " من قرارات مستقبلية قد تستهدف 10 قرى أخرى يقطنها نحو 10 آلاف نسمة، مشيرًا إلى أن المحاكم الإسرائيلية أصبحت "أداة بيد الأحزاب المتطرفة" لضرب الوجود العربي في النقب.
"عدالة":قرار المحكمة تكريس لـ"الأبرتهايد"
مركز "عدالة" الحقوقي اعتبر أن قرار المحكمة العليا بتهجير رأس جرابة يأتي رغم أن محكمة الشؤون الإدارية في بئر السبع كانت قد ألغت مخطط التوسيع في حزيران/ يونيو الماضي بسبب "عيوب خطيرة" مثل تجاهل الأثر البيئي وعدم بحث دمج سكان القرية في المخطط.
وأوضح المركز في بيانٍ له، أن المحكمة العليا تجاهلت هذه المعطيات، ومنحت شرعية لعملية تهجير لا تستند إلى مخطط نافذ، ما يرسّخ نظام الفصل العنصري ويمنح الاحتلال غطاءً قضائيًا للسيطرة على أراضي النقب.
وأشار إلى أن الدولة لم تقدم أي حلول عملية للسكان، واكتفت بالحديث عن "سكن مؤقت" أو "مساعدة في استئجار شقق"، وهو ما يعكس – وفق عدالة – أن "إسرائيل" تنظر إلى البدو باعتبارهم "عائقًا أمام التوسع الاستيطاني وليس سكانًا متجذرين في أرضهم".
