مع كل نسمة باردة تُنذر بمنخفض جوي قريب، تتسارع دقات الخوف قبل دقات القلوب التي أنهكها المرض، ليبدأ معها فصلٌ جديد من فصول المعاناة في ظل واقع صحي متهالك تحت ضغط الحصار والحرب، ليبقى الاهتمام بمرضى القلب ضرورة إنسانية تتجاوز حدود الطوارئ لتلامس جوهر الحق في النجاة بقطاع غزة.
ويعاني مرضى القلب في القطاع من ظروف صعبة للغاية بسبب نقص الرعاية الصحية وتفاقم مرضهم نتيجة حرب الإبادة وسوء التغذية ونقص الأدوية، بينما يُعيق النزوح في مناطق بعيدة عن المستشفيات إجراء الفحوصات الدورية.
"الشعور بالعجز يُنهك القلب"..
وفي قسم القلب بمستشفى شهداء الأقصى وسط قطاع غزة، يُخيِّم صمتٌ لا يُسمع حوله إلا صفير جهاز مراقبة القلب، بينما يحاول المواطن مروان أبو الجديان (54 عاماً) على سرير العلاج استعادة أنفاسه بعد جلطة أصابت قلبه.
المواطن "أبو الجديان" نازح من منطقة تل الزعتر شمال قطاع غزة إلى أن استقر به المآل إلى منطقة الزوايدة وسط القطاع، يعاني من أمراضٍ في القلب منذ 14 عاماً، لكنها تفاقمت -وبشدة- خلال حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة.
يقول "أبو الجديان" في حديثه لـ"وكالة سند للأنباء" إنه تعرض خلال عامي الحرب إلى عدة وعكات صحية من عمليات قسطرة وتركيب دعامات حتى كان آخرها جلطة على القلب تسببت بتسديد الشريان التاجي بنسبة70%، خلال المنخفض الجوي الأخير قبل أيام.
ويُبدي "أبو الجديان" الذي يسكن وعائلته في خيمة صغيرة مهترئة مخاوفاً من استقبال موسم الشتاء والبرد، الذي يفاقم حالته، خاصة نزلات البرد والسعال وارتفاع ضغط الدم، والتي تتسبب بضيق في التنفس ورفة في القلب، في ظل شحٍ وانقطاع للأدوية.
وكانت دمعته عندما اغرورقت عيناه كافية أن توصل شعوره وهو يحادث مراسلتنا بهذه الكلمات: "العجز شعور لا يُطاق، من إنسان معطاء إلى آخر يشعر بوجود نقص".
ويحدثنا "أبو الجديان" أن السبب الرئيس وراء وعكاته الصحية المتكررة هو سبب نفسي إذ يؤثر حزنه على ما آل إليه من نزوح وفقد وعيش داخل الخيام، على صحته فيزيدها سوءاً.
ويزيد، "أما البرد فله قصة أخرى، لا جدران تؤوي ولن تمنع قطع قماش مهترئة البرد من أن ينخر الأجساد"، ويصف البرد داخل الخيام بـ"العذاب" فلا تمنع الخيام برد الشتاء، ما يرفع ضغط الدم لديه، والذي يُنذر بسكتات قلبية.
ويضيف لمراسلتنا، إن مرضى القلب يحظون بمناعة ضعيفة تتأثر من أقل فايروس، والأمطار في ظل بنية تحتية متهالكة وانتشار للمخلفات قد تزيد انتشار الميكروبات، كذلك تعرضه بشكل سريع للإصابة بنزلات البرد والإنفلونزا، الأمر الذي يزيد حالته سوءاً.
وتستكمل تهاني البسيوني الحديث عن زوجها "أبو الجديان"، الذي يحتاج إلى رعاية صحية خاصة، تتمثل بمكان معقم تماماً وطعام صحي خاص وغير ملوث، وتوفير للعلاج والنظافة العامة والهدوء، والدفء في فصل الشتاء، وهو الأمر المفقود بالعيش داخل خيمة!
وتُشير "الزوجة الصابرة في حديثها لـ"وكالة سند للأنباء" كذلك، إلى الأزمات المركبة التي تعصف بها وبزوجها داخل الخيمة، والتي يُعد أبرزها الطهو على النيران، إذ يُمنع زوجها المريض من استنشاق رائحة الدخان أثناء الطهو أو الشعور بأثره داخل الطعام.
وخلال المنخفض الجوي تقول "البسيوني" إن زوجها تعرض لجلطة على القلب بعد أن غمرت مياه الأمطار خيمتهم، حيث نُقل إلى المستشفى غائباً عن الوعي إلى أن استفاق بعد عدة محاولات لإنعاشه بالصدمات الكهربائية.
"قلب ضعيف لا يتحمل البرد"..
ولا يختلف حال المواطن أشرف السلطان (42 عاماً) من مدينة غزة كثيراً، فهو يعاني من جلطة في القلب حيث تعمل عضلة قلبه بنسبة 20%، بالإضافة إلى نقص في الأوكسجين و"مياه على الرئتين"، إضافة إلى المرضين المزمنين السكري وضغط الدم.
ويقول "السلطان" إن المنخفضات الجوية والبرد تؤثر عكسياً وسلباً على صحته، إذ يتسبب البرد برفع معدل ضغط الدم لديه، كما يزيد معدل ضربات قلبه، الأمر المرهق في وجود عضلة قلب ضعيفة.
ويوضح أنه يتعرض لمجهود كبير في المنخفضات الجوية، بمنعه غرق الخيمة -الذي يبوء بالفشل-، قد يُعرضه لانتكاسة صحية لا يُمكن تجاوزها.
ويضيف، "أنا عايش على المورفين -مسكن آلام-" في ظل انعدام الأدوية، مشيراً على حاجته إلى 16 نوعاً من العلاج لا يتوفر منها إلى 4 أنواع، كما يجبره ضيق التنفس والأزمات الحادة للنوم على كرسي طوال الليل.
"بأقل الإمكانيات"..
إلى ذلك يقول رئيس قسم القلب في مستشفى شهداء الأقصى وسط قطاع غزة الطبيب مروان العزايزة إن خدمة القلب من قسطرة وتركيب للدعامات القلبية، وعمليات القلب المفتوحة، خلال أعوام ما قبل حرب الإبادة كانت تقدم داخل المستشفى على أتم وجه رغم الحصار الإسرائيلي.
ويستدرك "العزايزة" لـ"وكالة سند للأنباء" أنه وفي الوقت الحالي يفتقر قطاع غزة إلى المستهلكات الطبية، خاصة بخروج المستشفى الأوروبي جنوب قطاع غزة عن الخدمة، كذلك تدمير مستشفى الشفاء، ما أثر سلباً على صحة المرضى.
أمَّا حصر المرضى في مستشفى واحد أو اثنين وفي ظل شح الإمكانيات، فيُعيق عملية تقديم العناية الفائقة، من توفير الأدوية والمستلزمات الطبية والأجهزة الخاصة بالمرضى، وفقاً لضيفنا.
ويلفت إلى أن خدمة القلب قد استعادت عافيتها بشكل جزئي بسيط عبر مستشفى الخدمة العامة لمدة 3 أشهر، متمثلاً بإجراء بعض عمليات القسطرة، منبهاً أنها جميعها مشاريع مؤقتة بينما يحتاج القطاع إلى خدمات دائمة.
ويؤكد "العزايزة" على معاناة مرضى القلب نتيجة البرد خاصة مع بدء فصل الشتاء وموسم الأمطار، كما يعانوا من تبعات الحرب الملازمة لهم كذا إغلاق المعابر والتلكؤ الإسرائيلي في إخراج المرضى لتلقي العلاج.
ويضيف، "وقد يتسبب البرد في زيادة خطر النوبات القلبية والسكتات الدماغية، بالإضافة إلى تفاقم الأعراض مثل الذبحة الصدرية، كذلك تضييق الأوعية الدموية ورفع ضغط الدم ومعدل ضربات القلب".
ويلفت "العزايزة" النظر إلى وجود 22 ألف تحويلة للعلاج بالخارج مكدسة داخل قطاع غزة، لم يخرج منهم سوى أعداد قليلة.
