تواصل المحكمة الجنائية الدولية جهودها لملاحقة المسؤولين الإسرائيليين على خلفية التحقيقات المتعلقة بجرائم الحرب في غزة والأراضي الفلسطينية المحتلة، رغم العقوبات الأمريكية التي تستهدف القضاة والمدعين العامين، في مؤشر على تصميم المحكمة على تنفيذ مهمتها المستقلة في حماية حقوق الإنسان الدولية.
وفي اليوم الأول من الاجتماع السنوي الرابع والعشرين لجمعية الدول الأطراف في لاهاي، أعلن مسؤولون في المحكمة أن التدابير التي تم اتخاذها لحماية المحكمة من العقوبات الأمريكية تبقى سرية لضمان فعاليتها.
وقالت رئيسة المحكمة، توموكو أكانه، إن المسؤولين التسعة المنتخبين، من بينهم ستة قضاة، مدرجون على قائمة عقوبات الولايات المتحدة، ما أدى إلى تعطيل حياتهم الأسرية وقيّد قدرتهم على إجراء المعاملات المالية حتى في أوروبا.
ويشير خبراء القانون الدولي إلى أن العقوبات الأمريكية، التي شملت المدير العام للمدعي العام كريم خان ونواب المدعي العام، تشكل تهديدًا غير مسبوق لعمل المحكمة.
ومع ذلك، أكد نائب المدعي العام، مامي ماندياي نيانغ، أن مكتب المدعي العام مستمر في عمله، مع اتخاذ إجراءات سرية للتعامل مع العقوبات.
وأضاف أن المحكمة تبحث عن بدائل لمزود خدمات الحوسبة السحابية الرئيسي، شركة مايكروسوفت الأمريكية، في خطوة نحو "السيادة التكنولوجية" وضمان استمرار عمل المحكمة بشكل مستقل عن الضغوط الخارجية.
تفعيل قانون الحجب
تأتي هذه الإجراءات في وقت تتزايد فيه الدعوات الأوروبية لحماية المحكمة من العقوبات الأجنبية.
ومنذ فبراير/شباط الماضي، طالبت عدة جهات، بما في ذلك الاتحاد الدولي لحقوق الإنسان، مفوضية الاتحاد الأوروبي بتفعيل "قانون الحجب"، الذي يتيح حماية المواطنين والشركات الأوروبية من آثار العقوبات الأمريكية، وتوفير إمكانية الوصول إلى نظام مصرفي مستقل عن الشبكة المالية الأمريكية.
وقال أليكسيس ديسواف، رئيس الاتحاد، إن الاتحاد الأوروبي يمتلك الأدوات اللازمة لحماية المحكمة، لكنه لم يفعل بعد بما فيه الكفاية.
وتأسست المحكمة الجنائية الدولية عام 2002، وهي الوحيدة على مستوى العالم التي تتمتع بسلطة مقاضاة كبار المسؤولين عن الجرائم الدولية، بما في ذلك جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
وتشمل تحقيقاتها الحالية فلسطين، وأوكرانيا، وأفغانستان، ودارفور في السودان، وليبيا، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، والفلبين.
وقد أثبتت هذه التحقيقات أن المحكمة قادرة على ممارسة مهامها رغم الضغوط السياسية والمالية، وهو ما يعزز مصداقيتها على الصعيد الدولي.
العدالة في مواجهة الضغوط الخارجية
بالنسبة لقضية دولة الاحتلال الإسرائيلي، يواجه التحقيق تحديات كبيرة، ليس فقط بسبب العقوبات الأمريكية، بل أيضًا نتيجة المعارضة السياسية والضغوط الدبلوماسية من حلفاء واشنطن.
ومع ذلك، قال المسؤولون إن التدابير السرية التي اتخذتها المحكمة تهدف إلى ضمان استمرار التحقيقات وحماية الضحايا، مع الحفاظ على استقلالية القضاء الدولي.
وأكدت أكانه أن العقوبات الأمريكية والضغط السياسي لم تثنِ المحكمة عن مهمتها، بل زادت من إصرارها على تحقيق العدالة، مشيرة إلى أن الضحايا أنفسهم معرضون للخطر إذا تم السماح للضغوط الخارجية بإعاقة عمل المحكمة.
وتعكس جهود المحكمة الجنائية الدولية المستمرة في ملاحقة دولة الاحتلال موقفًا حازمًا تجاه احترام القانون الدولي وحماية حقوق الإنسان، في مواجهة أقوى العقوبات السياسية والمالية التي تواجه أي مؤسسة قضائية دولية في التاريخ الحديث.
ويؤكد هذا الموقف أن استقلالية المحكمة وقدرتها على الصمود ضد الضغوط الخارجية تمثل حجر الزاوية لضمان العدالة الدولية في النزاعات الكبرى، وحماية الضحايا من الإفلات من العقاب.
لقراءة نص التقرير كاملا في ميدل إيست آي أضغط هنا
