لم تعد الجرائم الجنسية في سجون الاحتلال حوادث معزولة يمكن إنكارها أو الالتفاف حولها؛ لقد خرجت من ظلام الزنازين إلى العلن، كاشفةً وجهًا بالغ الوحشية لعنفٍ إسرائيلي ممنهج يتخذ من الجسد ساحة إذلال، ومن الكرامة الإنسانية هدفاً مباشراً للانتهاك.
فالمشهد المسرب من سجن "سدي تيمان" سيء السمعة لم يكن صدمة لأنه استثناء، بل لأنه فتح الباب على سلسلة طويلة من الحقائق المروعة التي ظلت مدفونة خلف الجدران وبين أصوات مكبوتة خنقها الخوف.
ما تكشّف في الأشهر الماضية ليس مجرد تجاوزات فردية، بل نمط عنف منظم اتبّعته إدارة السجون الإسرائيلية، وأدارت تفاصيله بعناية، ومارسته على أسرى عزّل بعيداً عن الرقابة، وبتواطؤ رسمي يشرعن الاعتداء ويمنحه غطاءً سياسيًا وأمنيًا.
وبينما تزداد الشهادات الموثقة وتتسع دائرة الضحايا، يتسع معها الصمت الدولي، صمتٌ يبدو كأنه جزء من الجريمة نفسها؛ فهل يكفي أنّ تُوثَّق هذه الانتهاكات، ما دامت يد العدالة مُكبّلة، وما دام العالم يكتفي بالمشاهدة؟
وفي هذا التقرير، تُسلط "وكالة سند للأنباء" الضوء على الروايات التي قدّمها أسرى محررون ومحامون ومؤسسات حقوقية، والتي تكشف اتساع هذه الظاهرة خلال العامين الماضيين وتحولها من انتهاكات متفرقة إلى ممارسات شبه يومية، خصوصًا بحق معتقلي غزة.
إفادات صادمة..
عدة معتقلين رجالاً ونساءً من غزة وثق شهاداتهم المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان ونشرها في العاشر من نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، صرّحوا أنهم تعرضوا لاغتصاب جماعي أو فردي داخل مراكز احتجاز إسرائيلية، منها بشكلٍ جماعي، وعن طريق جنود، وفي حالات أخرى باستخدام كلاب مدرّبة أو أدوات خشبية/ زجاجية، أو الصعق الكهربائي في الأعضاء الحساسة.
وفي ضوء هذه الإفادات، تؤكد مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان، أنها تمكنت من توثيق 14 حالة لأسرى من غزة تعرضوا للعنف الجنسي بأشكاله المختلفة، مشيرةً إلى أن هذه الحالات ليست استثناءات فردية، بل مؤشراً على سياسة إسرائيلية ممنهجة.
وتضيف المؤسسة في حديثٍ خاص بـ "وكالة سند للأنباء" أن النموذج نفسه في الاعتداء تكرّر عبر السجون والمعسكرات، ما يعكس وجود نمط متعمد في إدارة مراكز الاحتجاز.
وترى المؤسسة أن ممارسات العنف الجنسي من التفتيش العاري إلى اللمس القسري وما هو أبعد لم تعد مجرد سلوكيات جنود منفلتين، بل سياسة عامة تنبع من مستويات عليا داخل المؤسسة السياسية الإسرائيلية.
ويتجلى ذلك في الدفاع العلني الذي قدّمه وزراء وقادة إسرائيليون عن المتورطين في الانتهاكات داخل معتقل سدي تيمان، مقابل غياب تام لأي محاسبة لأفراد الأمن المتهمين.
ضجة التسريب لا الجريمة
وتوضح مؤسسة الضمير أن الضجة التي صاحبت انتشار مقطع اغتصاب الأسير في سدي تيمان العام الماضي لم تكن بسبب وقوع الجريمة نفسها، بل بسبب كيفية تسريب الفيديو وما سبّبه من "إحراج" للمعتدين؛ فبدلاً من التحقيق أو المحاسبة، خرج وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير مدافعاً عن الجنود، واصفاً إياهم بـ "لأبطال"، ومهاجماً كل من طالب بالتحقيق في الفعل أو ساهم في كشفه.
وتشدد أن العنف الجنسي، وفق القانون الدولي، يعد جريمة متفقاً على حظرها عالميًا، وترتقي إلى مستوى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، منوهةً إلى أن توثيق الحالات، وملاحقة المسؤولين عنها، واجب قانوني وأخلاقي لا يمكن للمجتمع الدولي تجاهله أكثر.
صعوبة التوثيق وحواجز الإفصاح
من جهتها تؤكد مسؤولة الإعلام في نادي الأسير الفلسطيني أماني السراحنة، أن التفتيش العاري والتحرش بكل الطرق المعروفة والاغتصاب والاعتداءات على المناطق الحساسة، خاصة عند الذكور، هي ظاهرة ممتدة وغير منتهية، وأصبحت تمارس بكثافة مضاعفة خلال الحرب.
وتقول السراحنة، لـ "وكالة سند للأنباء" إنّ الاعتداءات الجنسية أصبحت ظاهرة واسعة، خاصة عند معتقلي غزة، الذين قدم كثير منهم إفادات مروعة عن تعرضهم للتعنيف الجنسي.
وتضيف أنّ هذه ظاهرة تنعكس بآثارها المرعبة على الصعيد النفسي والجسدي، حيث يعاني كل من خضع لهذا النوع من الاعتداء، من مشاكل نفسية بمستويات مختلفة.
لكنّ ما يزيد من خطورة تلك الاعتداءات، وفق سراحنة، هو صعوبة توصيفها وتوثيقها، بسبب إحجام الكثيرين عن تقديم شهاداتهم أو الإفصاح عما تعرضوا له، لأسباب اجتماعية ونفسية، أو الخشية من الانتقام الإسرائيلي، وهو ما يضع حاجزًا أمام الحديث الصريح عن الأمر.
متفقًا مع السراحنة، يرى المختص بشؤون الأسرى عبد الناصر فروانة أن هناك صعوبات جمة تواجه توثيق حالات العنف الجنسي، من أبرزها الخوف من العواقب والتداعيات على المعتقل نفسه أو أسرته.
ويُبيّن في حديثه لـ "وكالة سند للأنباء" أن معظم المعتدى عليهم ينكرون ما تعرضوا له أو يرفضون الحديث عنه، خشية ردود الفعل أو الانتقام، ما يجعل الإفصاح عن هذه الانتهاكات أمرًا شبه مستحيل في كثير من الحالات.
ويشير فروانة إلى أن العنف والتحرش الجنسي يترك آثارًا نفسية وجسدية طويلة الأمد على المعتقلين، وأن هذه الممارسات كانت موجودة قبل الحرب بسنوات، حيث ارتبطت بإدارة السجون الإسرائيلية كجزء من التعذيب في أقبية التحقيق، وأحيانًا بهدف الإهانة أو محاولة كسر الإرادة أثناء التنقلات أو الإضرابات.
ويستدرك فروانة بالقول إن ما كان في السابق حالات فردية أو متفرقة، أصبح اليوم، خلال عامي الحرب، ظاهرة شبه يومية تتسع وتتفاقم، ما يعكس اتساع نطاق الانتهاكات.
ورغم اعتقاد المتحدث باسم هيئة شؤون الأسرى ثائر شريتح، بأن العنف الجنسي لم يتحول إلى سياسة إسرائيلية عامة في السجون، إلا أنه يشير إلى أن حالة الصمت على هذه الجريمة من قبل المستوى السياسي والعسكري في دولة الاحتلال، وتشجيع بعض الوزراء المتطرفين، يعكس حالة الرضا عن هذه الظاهرة، والتي قد تتسع وتتحول إلى سياسة ممنهجة.
وعلى ضوء ذلك يؤكد لـ "وكالة سند للأنباء" على أهمية توثيق الحالات كخطوة أولى ومهمة في محاسبة المسؤولين عنها.
ويُشدد أنّ "التحرك يجب أن يكون من المنظمات الحقوقية والإنسانية، والمجتمع الدولي بكل مؤسساته، ولكن من أجل ذلك يجب أن نكون أكثر جرأة ونتحدث عما نتعرض له بكل شجاعة، وهذا ليس عاراً، بالعكس هو انتصار على السجان الذي لم يكسرنا حتى في استخدامه لأبشع وأقذر الوسائل العقابية والانتقامية".
العجز الدولي.. ضوء أخضر
تسير مديرة مركز الأبحاث والاستشارات القانونية للمرأة في قطاع غزة، زينب الغنيمي، في حديثها لـ "وكالة سند للأنباء" وفق ما اتفق عليه الضيوف على ضرورة التحرك الدولي العاجل لمحاسبة المعتدين ووقف الانتهاكات بحق الأسرى والأسيرات.
وتوضح الغنيمي أن عجز المجتمع الدولي عن ردع الاحتلال أو محاسبته، يعد بمثابة الضوء الأخضر للاستمرار في مختلف أشكال العدوان والانتهاك.
وتشير إلى أنه لم يصدر أي موقف دولي يدين ما تعرضت له الأسيرات، رغم أن الجهة التي بدأت حملة مناهضة العنف ضد المرأة على المستوى الأممي هي هيئة الأمم المتحدة للمرأة.
ولفتت إلى ازدواجية المعايير الدولية، مضيفةً أن مسؤولة أممية تحدثت مطولًا عن الرواية الإسرائيلية ومزاعم تعرض إسرائيليات للاغتصاب، بينما لم تصدر أي إدانة أو بيان حول ما ارتُكب بحق نساء من غزة.
