تتوالى اعتداءات الاحتلال الإسرائيلي على مدن وبلدات الضفة الغربية، خصوصًا في مناطق الشمال، لتطال كل بقعة يتمسك فيها الفلسطينيون بحقهم في الأرض.
من عملية "خمسة أحجار" العسكرية التي أطلقها الجيش في محافظة طوباس وبلداتها، إلى العدوان الذي شهدته عدة قرى في محافظة جنين، وصولًا لمدينة قلقيلية التي تشهد اليوم عدوانًا وحظرًا للتجول منذ فجر الخميس، تتواصل الممارسات الاحتلالية بلا توقف.
عدوان واسع في جنين
على مدار الأيام الماضية، تعرضت عدة قرى وبلدات في محافظة جنين لعدوان واسع، شمل اقتحام عشرات المنازل، حملات اعتقالات، احتجاز، تنكيل وضرب شملت أطفالًا وكبار السن، إضافة إلى حالة من الخوف والإرهاب المستمر الذي يمارسه جنود الاحتلال بحق المواطنين عند اقتحام منازلهم.
وشهدت بلدة قباطية جنوب جنين عدوانًا استمر ثلاثة أيام، تخلله اعتقالات واحتجاز لمواطنين، تحويل المنازل إلى مراكز توقيف واستجواب، تحليق مكثف للطائرات في سماء البلدة، وإطلاق رصاص حي ثقيل في المناطق المفتوحة والجبال.
وخلال العملية التي انتهت فجر الخميس، منعت قوات الاحتلال الصحفيين من التغطية في البلدة وأجبرتهم على المغادرة.
عدوان في مسلية ونبش قبور
بلدة مسلية جنوب جنين شهدت يوم أمس عدوانًا مماثلًا، حيث اقتحمتها قوات الاحتلال في عملية استمرت يومًا كاملًا، فرضت خلالها حظر التجول واعتداء على المواطنين وممتلكاتهم.
ولم تقتصر الانتهاكات على الأحياء السكنية، إذ رصدت كاميرات شهود العيان أحد الجنود وهو ينقب في قبور البلدة، في سلوك يمثل تجاوزًا إضافيًا لكل الأعراف الإنسانية.
وفي تطور خطير آخر، أصدرت قوات الاحتلال إخطارات بهدم عدد من منازل المواطنين في قرية سيلة الظهر جنوب جنين، بحجة قربها من مستوطنة "حومش".
وكانت المستوطنة قد أخليت في إطار خطة "فك الارتباط" عام 2005، لكنها شهدت محاولات متكررة لإعادة النشاط الاستيطاني، حتى سمحت سلطات الاحتلال للمستوطنين بالعودة إليها في مايو/ أيار 2023، بقرار من قائد الجيش الإسرائيلي.
ضرب وتنكيل وحظر للتجول
سجلت طواقم الهلال الأحمر والإسعاف في جنين إصابات عديدة جراء اعتداءات الاحتلال على المواطنين بالضرب المبرح، شملت رجالًا مسنين وأطفالًا.
وتعود ممارسات الاحتلال إلى ما قبل اتفاقية أوسلو، حيث تقتحم القرى الفلسطينية، تفرض حظر التجول، تجبر المواطنين على إغلاق محالهم التجارية، وتسمح لهم بالتجول لساعات محدودة قبل إعادة الحظر.
هدف استيطاني وجغرافي
ويعلق الباحث والكاتب محمد القيق على تكثيف الاحتلال لعملياته في جنين وطوباس وبقية مناطق شمال الضفة الغربية، موضحًا أن الهدف الأساسي لهذه العمليات "استيطاني جغرافي، وليس عسكريًا فقط".
ويشير القيق في حديثه لـ"وكالة سند للأنباء" إلى أن هذه العمليات تهدف إلى "إرساء حالة استقرار للمستوطنين، وإشعارهم بالهدوء والأمن، وأن الجيش بجوارهم ويمنع أي عمل ضدهم، ما يمنح المستوطنين مساحة سياسية وجغرافية للتوسع والتمدد".
ويضيف أن خطورة هذه العمليات تكمن في كونها "أساسها سياسي وجغرافي لصالح الاستيطان، وتستهدف أيضًا إرساء حالة ردع أمنية للفلسطينيين، وإيصال رسالة بأن الجيش قادر على التحكم".
ويشير القيق إلى تزايد بيانات جيش الاحتلال وجهاز المخابرات "الشاباك" التي تفيد بالوصول لمن تصفهم بـ"المخربين"، ويعلق: "هذا جزء من ترميم صورة الشاباك وإظهار فعاليته، واستعادة هيبة الردع والأمن، وهو شكل من البروبوغاندا لتثبيط معنويات الفلسطينيين ورفع معنويات الإسرائيليين".
ويلفت إلى أن هذه الممارسات تتماشى مع استراتيجية إسرائيلية أوسع تُعرف باسم "خطة الضم"، قائلاً: "حتى المعارضة والائتلاف في الكنيست صادقوا على عدم إقامة دولة فلسطينية، ما يدل على أن المشروع ليس مرتبطًا بشخص معين، بل هو فكرة إسرائيلية، والمستوطن أصبح جوهر الدولة".
ويخَلص القيق إلى أن "غياب الحسم العسكري في الضفة الغربية يؤدي إلى غياب الحسم السياسي والجغرافي والاستيطاني، ولن يكون هناك مشروع إسرائيل الكبرى بدون ذلك، ما يجعل المنطقة ما يُعرف بدولة المستوطنين".
ورجح أن يوسّع الاحتلال عملياته ويكثفها في مناطق أخرى بالضفة الغربية، بالتوازي مع اعتداءات المستوطنين التي شهدت تصاعدًا ملحوظًا في الآونة الأخيرة
