في خطوة تكشف بوضوح التوجهات الاستراتيجية للحكومة الإسرائيلية خلال المرحلة الحالية، خصص وزير المالية بتسلئيل سموتريتش ميزانية غير مسبوقة تبلغ 2.7 مليار شيكل لتعزيز المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية.
وتشمل هذه الميزانية توسيع المستوطنات القائمة، وإنشاء مستوطنات جديدة، وترسية بنى تحتية متكاملة لما يقارب خمسين مستوطنة وبؤرة استيطانية، في إطار خطة تعتبرها الأوساط الإسرائيلية تحوّلًا طويل الأمد في خريطة الضفة، وتصفها جهات فلسطينية ودولية بأنها ضربة مباشرة لإمكانات الحل السياسي وحل الدولتين.
وتتضمن الخطة أيضًا إنشاء "طابو إسرائيلي" خاص بالضفة الغربية، يهدف إلى نقل ملكيات الأراضي من سجلات الإدارة الأردنية إلى المنظومة الإسرائيلية، بما يمهد لشرعنة السيطرة على عشرات آلاف الدونمات بحلول عام 2030، ويجعل أي مفاوضات مستقبلية حول الأراضي أكثر تعقيدًا.
"وكالة سند للأنباء" تحدثت إلى عدد من المختصين في الشأن الإسرائيلي للوقوف على دلالات هذا التحول الخطير في سياسة الحكومة، وكيف تُترجم هذه الميزانيات الضخمة إلى واقع استيطاني متسارع على الأرض.
أمريكا الضامن الأساسي لاستمراية الاستيطان..
قال المختص في الشؤون الإسرائيلية، عمر جعارة، إن الولايات المتحدة هي الضامن الأساسي لاستمرار مشروع التوسع الإسرائيلي في الشرق الأوسط، مشيرًا إلى أن سياسة الاستيطان تترافق مع هجمات تستهدف تهجير الفلسطينيين، بما يشمل هدم المنازل، واستهداف المدنيين، وتدمير البنية التحتية.
واعتبر "جعارة" أن الاستيطان في الضفة الغربية هو الركيزة الأساسية للمشروع الصهيوني، مشيرًا إلى أن الهدف الرئيسي منه هو طرد الفلسطينيين من أراضيهم واستبدالهم بسكان يهود، سواء قدموا من الخارج أو من الداخل.
وأوضح "جعارة" في حديثٍ خاص لـ "وكالة سند للأنباء"، أن "إسرائيل" تعاني من نقص كبير في الموارد البشرية، إذ لا يقبل بالقدوم إليها سوى نسبة محدودة من اليهود في العالم، مما يقلل من أهمية الاستيطان بالنسبة للقدرة العملية على السيطرة على الأرض.
وأضاف جعارة أن الاستيطان هو الواجهة الحقيقية لـ "إسرائيل"، باعتباره الأداة الرئيسية لترسيخ سيطرتها على الأراضي الفلسطينية، لكنه شدد على أن الوضع في الضفة الغربية يختلف عن الداخل الإسرائيلي، إذ إن القرار الأمريكي يلعب دورًا محوريًا في أي توسع استيطاني أو ضم أراضٍ مثل هضبة الجولان.
ولفت أن هذه الإجراءات أثبتت فشلها في السيطرة على المقاومة في غزة والضفة الغربية، لكنها في الوقت ذاته أثارت ردود فعل عالمية، خاصة فيما يتعلق بالاستهداف المتكرر للأراضي الزراعية، والقرى، والمناطق المدنية الفلسطينية.
"تجميل صورتها سياسيًّا"..
إلى ذلك، رأى الباحث والمختص في الشأن الإسرائيلي عصمت منصور، أن خطاب الحكومة الإسرائيلية بشأن تفكيك بؤر استيطانية أو مواجهة عنف المستوطنين ليس سوى محاولة لتجميل صورتها سياسيًا، بينما تُظهر الوقائع على الأرض اتساعًا غير مسبوق في المشاريع الاستيطانية.
وأوضح "منصور" في حديث خاص لـ "وكالة سند للأنباء"، أن الحكومة الإسرائيلية، عبر وزرائها المتطرفين، وعلى رأسهم سموتريتش، تدفع باتجاه السيطرة على ما يقارب 80% من مساحة الضفة الغربية، في ترجمة واضحة للمشروع الصهيوني الذي يستهدف القضاء الكامل على حل الدولتين.
وأكد منصور أن الاستيطان لا يقتصر على الميزانيات المعلنة، بل يرتبط بتحولات ملموسة على الأرض تُفضي إلى خلق واقع استيطاني جديد، يتجاوز النقاش السياسي ويرسّخ السيطرة الإسرائيلية الفعلية.
واعتبر أن هذا المسار يقود إلى "طريق اللاعودة" في مسألة الأرض، عبر سياسة رسمية – وإن كانت غير مُعلنة – هدفها خنق الوجود الفلسطيني وتحويل الحياة في الضفة الغربية إلى واقع طارد وغير قابل للاستمرار.
وأضاف أن خطورة هذه السياسة تكمن في أنها تبني على استراتيجيات بعيدة المدى، تُقصي أي أفق سياسي للفلسطينيين، وتُجهز فعليًا على حل الدولتين، مشددًا أن ما يجري يمثل "قتلاً منهجيًا لأي إمكانية لبناء مستقبل سياسي عادل" في ظل التوسع الاستيطاني وتحوّله إلى معلم ثابت في مشروع السيطرة الإسرائيلية على الأرض.
