في غزة، ليست الحرب هي أكثر ما يوجع القلب، بل الغياب، ذلك الفراغ الحاد الذي يتركه من خرج بحثًا عن لقمة تسند جوع العائلة، فلم يعُد، في خيامٍ محاصرة بالجوع والخوف، تنام الأمهات على وسائد من القلق، ويصحو النهار ولا يحمل جوابًا، وحدها أسماء الأبناء المفقودين تبقى إلى جانبهن، تطرق الصدر كنداء لا يهدأ: أين هم الآن؟ وأي ظلام يبتلع خطاهم؟
عبد الرؤوف، ابن الرابعة عشرة من الفرح، خرج يومًا ليلتقط لأهله ما يسد رمقهم، فلم يرجع، لم تكن رحلته طويلة، لكنها امتدت في قلب أمه كدهرٍ من الوجع، كل خطوة بحث، كل باب طُرق، كل مستشفى زارته العائلة، كان يزيد السؤال ثقلاً وحرقة، لم يجدوا أثرًا، ولا حتى ظلًا يلوّح من بعيد، كأن الأرض ابتلعته، أو كأن الحرب قررت أن تخطفه من حضن الحياة.
اليوم، تقف العائلة أمام العالم، لا تطلب معجزات ولا بيانات سياسية، بل حقًا بسيطًا: أن تعرف أين ابنها، أن تسمع خبراً يكسر هذا الصمت الحجري، فالمفقودون ليسوا أرقامًا، وفي غزة، السؤال ليس رفاهية.. بل صرخة حياة: أين أبناؤنا؟
"ضحكة البيت"..
قال أيمن الهمص، والد المفقود عبد الرؤوف، "كان بداية المأساة، حين خرج ابني إلى منطقة المساعدات في خان يونس، بحثًا عن الطعام لعائلته وسط المجاعة التي كانت تضرب المنطقة، لكنه لم يعد منذ ذلك اليوم".
وأوضح "الهمص" في مقابلةٍ مصوّرة لـ "وكالة سند للأنباء"، أن ابنه توجّه عند السادسة مساءً إلى مركز المساعدات بعد أن اشتد الجوع وندر الطعام، مضيفا: "ذهب ليجلب لنا أكلًا، ومنذ تلك اللحظة اختفى تمامًا".
وأضاف أن العائلة بحثت عنه في كل مستشفيات خان يونس دون أن تجد أي أثر له، مشيرا إلى أنهم تواصلوا مع جميع المؤسسات المعنية، لكنهم لم يتلقوا أي إجابة واضحة حول مصيره.
وعبّر عن أملٍ خجول عاشته العائلة بعد حديث بعض الأشخاص عن وجود تطابق بين أوصاف أحد الأسرى، "قالوا لنا إن المعلومات التي جمعوها تشير إليه، وإنه قد يكون موجودًا عند الاحتلال، لكن بقيت هذه المؤشرات بلا دليل قاطع".
أما والدته، تساءلت بمرارة: "ما ذنب ابني؟ خرج فقط ليبحث لنا عن الطعام، هل هذا سبب ليختفي؟" معبرةً أن غياب قهر، "من يوم فقدناه، راحت الضحكة من البيت، ابني خلّص توجيهي، وكان الأمل والابتسامة في حياتنا".
وناشدت المفوض الأممي المعني بالاختفاء القسري، والصليب الأحمر، وكل الجهات الإنسانية بقولها:"نريد أن يفتحوا هذا ملف المفقودين، نريد أن نعرف أين أبناؤنا".
ولا يزال ملف نحو 9500 مفقود في قطاع غزة مفتوحا وجرحا نازفا، يؤرق ذويهم الذين يتوقون لمعرفة مصير أبنائهم.
وبالرغم من انتهاء الحرب الإسرائيلية على القطاع، فإن مصير معظم هؤلاء ما زال مجهولا. الجزيرة تفتح ملف المفقودين في قطاع غزة وترصد عبر تقرير غازي العلول جهود البحث وانتظارات الأهالي.
