قبل أن ينالوا الحرية، مرّ الأسرى فلسطينيون بتجارب قاسية داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي، تعرضوا خلالها لصنوف العذاب والحرمان.
وتوثّق "وكالة سند للأنباء" هذه الشهادات المؤلمة في سلسلة "ما لم يُرَ: سردٌ من الداخل"، بصيغة ضمير المتكلم، لتروي لحظة بلحظة سردية العذاب والآلام والتنكيل.
وأولى هذه التجارب مع مدير مجمع الشفاء الطبي، الدكتور محمد أبو سلميّة:
لم يكن صباح الثاني والعشرين من نوفمبر/ تشرين الثاني 2023 صباحًا عاديًا في حياتي ولا في دفتر الحرب.
كان اليوم الذي وجدتُ فيه نفسي، كمدير لمجمع الشفاء الطبي، محاصرًا مع مرضاي داخل مستشفى تحوّل من ملاذٍ للجرحى إلى جزيرة معزولة يطوّقها جيش الاحتلال الإسرائيلي من كل الجهات.
عشرة أيام كاملة عشناها تحت الحصار؛ الليل يختلط بالنهار، والأنين يغطي أصوات انفجارات القذائف، والشفاء الذي عرفته بيتًا للطب صار أرض اختبار لثبات الإنسان.
وعد على البوابة وفخ ينتظر
أبلغني جيش الاحتلال أنني سأبقى مع المرضى إلى حين إجلائهم، ثم أغادر معهم بأمان برفقة الأمم المتحدة، لكن ما إن خرجت من بوابة المستشفى، حتى أدركت أن الوعد كان مجرد باب إلى كمين.
تحركت سيارات الإسعاف محمّلة بآخر ما تبقى من المرضى (نساء، أطفال، جرحى)، ووقفنا في منطقة نتساريم التي كانت تفصل شمال القطاع عن جنوبه ما يقارب عشر ساعات، نواجه البرد والصرخات والتفتيش القاسي.
وحين عرّفت بنفسي، تغيّر كل شيء فورًا، صُوّبت الأضواء نحوي، ارتفعت البنادق، وصرخ الجنود: "أمسكنا مدير الشفاء!"
لم أفهم معنى هذه الاحتفالية الوحشية بعد عشرة أيام كانوا فيها على اتصال مباشر بي داخل الحصار.
خلال دقائق جُرّدت من ملابسي، قُيّدت من يديّ وقدميّ، غُطيت عيناي، وتعرضت لضرب متواصل حتى اختفى الإحساس بيديّ.. شعرت بتراب الأرض في فمي، وبثقل لحظة لا تشبه اعتقال طبيب خرج مع مرضاه.
من المصيدة إلى التحقيق
وصلتُ إلى سجن عسقلان فجرًا، وهناك بدأت رحلة تحقيق لم تكن جلسات أسئلة، بل جلسات استنزاف.
كان التحقيق يمتد ما بين 16 و18 ساعة يوميًا، مكبّلًا على كرسي لا يسمح لي بالحركة، مع ضرب وتهديد وإهانات وحرمان كامل من النوم.
لم تُوجَّه إليّ تهم واضحة، سوى لازمة كانوا يكررونها: "أنت مدير الشفاء وهذا يكفي".
أرادوا مني أن أبرّر روايتهم عن كون المستشفى "مجمّعًا مسلحًا"، بينما كنت طوال حياتي أعالج الجميع دون تمييز.
الزنزانة كانت أشبه بثلاجة في ديسمبر؛ بلا أغطية، بلا أدوات نظافة، وإضاءة لا تُطفأ.. كان الزمن هناك يمشي ببطء حاد، كأنه عقاب إضافي.
بعد شهر في عسقلان نُقلت إلى عوفر، وكانت رحلة البوسطة وحدها فصلًا آخر من الألم.
في الطريق كُسرت أربعة من أضلعي، وانكسرت نظارتي الطبية التي رافقتني لسنوات، وتعرضت لضرب شديد جعلني أسمع صدى جسدي من الداخل.
ولم يسلم يوم واحد من التعذيب، أقول هذا وأنا أستعيد ليلة واحدة فقط.. تلك التي ظننت فيها أن حياتي قد انتهت من شدة الضرب.
كانت تلك اللحظة نقطة فهم جديدة؛ فليس المطلوب منك أن تُدلِي باعتراف، بل أن تُهزَم من الداخل.
في عوفر أيضًا استُشهد زميلي الدكتور عدنان البرش تحت التعذيب في يومه الأول؛ كان صراخه آخر ما سمعته منه، ثم ساد صمت ثقيل لا يُنسى.
نفحة والعصر الحجري
بعد شهرين نُقلت إلى معتقل نفحة، لأعيش أربعة أشهر لا يمكن وصفها إلا بالعصر الحجري… غرفة مصممة لأسيرين يسكنها تسعة.
حبة بندورة تُقسّم على 18 أسيرًا، خبز نادر، كنت ممنوعًا من الصلاة ومعاقبًا إن حاولت.
ومنعوني من الدواء رغم معاناتي من ارتفاع ضغط الدم، وكان التهديد يرافقني يوميًا: "لن ترى زوجتك ولا أولادك".
كان ذلك جرحًا آخر، فأنا داخل السجن لا أعرف إن كانت عائلتي على قيد الحياة بعد حصار الشفاء؛ ذلك هو القهر الحقيقي.. قهر الرجال.
الضربة الأخيرة
أصعب لحظاتي في الأسر كانت حين جاء ضابط من الاحتلال بعد اجتياحهم الثاني لمجمع الشفاء في مارس/ آذار 2024، وقال ساخرًا: "دمّرنا الشفاء.. ولن تعود إليه حتى لو خرجت".
كانت تلك الكلمات أعتى من الضرب، محاولة لخنق ما تبقى من الروح.
الخروج الذي لم يُعلَن
في أول ليالي يوليو/ تموز 2024، عند التاسعة مساءً، فُتح باب زنزانتي فجأة.
قالوا لي فقط: "ستخرج"، ولم يخبروني إلى أين. خرجت بملابس الشفاء نفسها التي اعتُقلت بها.
لم ينتظرني "صليب أحمر"، ولا أي جهة دولية، بل باب سجن يُغلق على ظهري وسماء مفتوحة أمامي.. كانت منّة من الله، لا فضلًا من أحد.
خرجت منهكًا، لكن واقفًا، أحمل آثار السجون في عظامي، وفي روحي تجربة لا تُمحى.
بعد أيام قليلة من الحرية عدت إلى عملي رغم كل النصائح بالراحة.
استقبلني زملائي والمرضى كما لو أنني عدت من رحلة غابرة.. كانت لحظة لن أنساها، فهمت فيها معنى أن يظل الإنسان واقفًا رغم كل شيء.
اليوم، وأنا أسير في ممرات مستشفى الشفاء، أحمل نظرة مختلفة، أعرف تمامًا معنى الألم، ومعنى أن يُنتزع الطبيب من مرضاه.
أعرف معنى أن يُكسر الجسد، دون أن تنحني الروح، وأعرف أيضًا أن ما يعيشه الأسرى اليوم لا يشبه أي زمن سابق منذ النكبة.
ملاحظة: الفيديو المدرج مولد عبر الذكاء الاصطناعي
