لا تكتفي شظايا صواريخ الاحتلال الإسرائيلي بتمزيق الأجساد فحسب بل تخترق البصر، تاركة آلاف الغزيين على حافة العمى، يتشبثون ببصيص نور مهدد بالانطفاء في أي لحظة.
وبين إصابات خطيرة ونزيف مستمر، يقف الأطباء عاجزين أمام شحّ المستلزمات الطبية، ونفاد الأدوية والأدوات الجراحية اللازمة لإنقاذ العيون. هنا، لا يصبح فقدان البصر مجرد إصابة حرب، بل حكمًا قاسيًا يضاعفه الخوف من أن يتحول الظلام المؤقت إلى عتمة دائمة في عيون ضحايا لا يملكون رفاهية الانتظار.
1700 مواطن غزِّي فقدوا أعينهم خلال حرب الإبادة على قطاع غزة، بينما يهدد العمى الجزئي أو الكلي 5 آلاف مواطن آخرين، بحسب ما ورد في تقرير صادر عن مركز غزة لحقوق الإنسان الأسبوع الماضي.
أمل.. تنتظر سفراً عاجلاً..
في طريقٍ طويل كانت "أمل" تسير آمنةً بعد إعلان وقف إطلاق النار في قطاع غزة، إلا أن لحظةَ غدر إسرائيلية بلا مُقدمات، أفقدتها "حبيبتها"، فلم ترَ حينها إلَّا ظلاماً في كل مكان.
وتعرضت الشابة أمل إسماعيل (28 عاماً) بشظية في العين جراء قصف إسرائيلي استهدف منزلاً كانت تسير بجانبه، خلال اختراق التهدئة في الثلث الأخير من شهر أكتوبر/ تشرين أول الماضي.

تقول شقيقتها "أحلام" لـ"وكالة سند للأنباء" إن الشظية التي تعرضت لها "أمل" دخلت تحت عينها اليمنى واخترقت الأنف واستقرت تحت العين اليسرى.
وتوضح "أحلام" أن الشظية وما زالت مستقرة تحت العين اليسرى ما أثَّر على عصب العين حتى أفقدتها البصر فيها، بينما لم يُقدِم الأطباء على إزالة الشظية أو إجراء عملية جراحية لشح الإمكانات وغياب الأجهزة والمستلزمات الطبية.
أما العين اليُمنى، فلا تُغنِ الأدوية والمراهم الطبية عن إجراء العملية الجراحية العاجلة التي أقرها الأطباء، نتيجة وضعها الصحي المهدد، وفقاً لـ"أحلام".
ويبقى الخوف سيد الموقف على لقلة الإمكانات والمماطلة في إجلاء الجرحى لتلقي العلاج في الخارج، لكن الشابة المُصابة "أمل"، ترجو أن يكون لها من اسمها نصيب.

"ولو بعينٍ واحدة.."
ولكلٍ حكاية من العذاب تختلفُ فصولها عن الأخرى، فهذا مُحمد أبو فول أسيرٌ محررٌ أُفرِج عنه في صفقة "طوفان الأحرار" الثالثة، منتصف أكتوبر/ تشرين الأول، تنسم الحرية ورائحة البلاد بعد قضائه 10 أشهر في زنازين العذاب، دون لمحة نور تتسل إليه بعد فقدان مُقلتيه.
وقضى "محمد" 10 شهور في سجون الاحتلال دون أن يبصر نوراً أو يرى لمحةً واحدة، جراء التعذيب الإسرائيلي الذي أفقده نور عينيه تحت التعذيب.
ويقول "أبو فول" لـ"وكالة سند للأنباء"، إنه تعرض للتعذيب والضرب المبرح أثناء اعتقاله من مستشفى كمال عدوان شمال قطاع غزة أثناء الاجتياح البري الإسرائيلي في 27 / 12 لعام 2024، ما أدى إلى فقدانه البصر في عينيه الاثنتين.
ويناشد المحرر محمد أبو فول بالسفر والإجلاء لتلقي العلاج خارج قطاع غزة فلا تُجدِ نفعاً قلة الأدوية التي يأخذها حالياً، آملاً أن يتمكن من إبصار النور مرة أخرى ولو بعين واحدة.
أرقام مُرعبة..
من جانبه، يقول رئيس قسم العمليات والتخدير في مستشفى العيون بغزة، الطبيب إياد أبو كرش، إنَّ إصابات العيون تشكل ما نسبته 7 إلى9% من مجمل جرحى حرب الإبادة، منوهاً أن هذه النسبة في محافظة قطاع غزة وشماله فقط.
ويوضح "أبو كرش" في حديثه لمراسلة "وكالة سند للأنباء" أن 18% من الحالات وصلت إلى حد تفريغ العين -أي فقدان البصر-، و9% أصيبوا في كلتا العينين.
ويشير في حديثه إلى أن نسبة إصابات العيون في فئة الأطفال بلغت30 % أما النساء فقد بلغت نسبتهنَّ 28 %، مشدداً أن هذا رقم كبيرٌ على المواطنين العُزَّل.
وخلال الفترة الممتدة من شهر يناير/ كانون الثاني 2024 حتى شهر أيلول/ سبتمبر 2025، استقبل مستشفى العيون -وفقاً للطبيب "أبو كرش"- 2077 إصابة.
غياب الإمكانات يُهدد الآلاف بالعمى..
وعلى الرغم من محاولات الطواقم الطبية إنقاذ الكثير من المرضى والجرحى، إلا أن عيون آلاف الغزيّين تنطفئ تباعاً بفعل الحصار الإسرائيلي المُطبق، وانقطاع الأدوية، وتدمير القدرة الجراحية، وإغلاق المعابر الذي يمنع المرضى من العلاج في الخارج، وهو ما يفاقم حدّة القهر ويُشعرهم بضياع الأمل وانعدام الرؤية.
فعلى هذا الصعيد يُحذر "أبو كرش" من افتقار قطاع غزة ومستشفى العيون خاصة لأجهزة الفحص الأولية للعيون، التي من خلالها يُحدد الأطباء ما إذا كان المريض بحاجة لتدخل جراحي.
وفي مستشفى العيون كما هو الحال في المنظومة الصحية كاملة في قطاع غزة، يقوم الأطباء بإجراء الإسعافات الأولية اللازمة والتدخل الجراحي بأقل الإمكانيات لعدم توفر الأجهزة والمستلزمات الطبية.
ويؤثر شُح المستلزمات الطبية كما ذكر "أبو كرش" على نتيجة النظر للمريض، لافتاً النظر إلى أنه في أغلب الأوقات يفقد المريض البصر في عين وفي أحيانٍ أخرى يفقد البصر في كلتا العينين.
ويؤكد أن نقص العلاجات أدى لتفاقم أمراض خطيرة مثل ارتفاع ضغط العين، القرنية، الشبكية، المياه البيضاء، ما يهدد المرضى بالعمى الدائم.
ويزيد ضيفنا أن نحو 2400 مريض على قوائم الانتظار بحاجة عاجلة لإجراء عمليات جراحية لا تتوفر إمكانياتها داخل القطاع.
