لم تغِب بلدة قباطية، جنوب جنين شمال الضفة الغربية، يومًا عن مشهد المقاومة ومواجهة الاحتلال الإسرائيلي، حتى باتت نموذجًا حيًا للتاريخ الفلسطيني المقاوم.
وارتبطت هوية سكانها برمزية الصمود والمواجهة، ما جعلها إحدى أبرز الحواضن الشعبية للمقاومة عبر مختلف المراحل.
ومنذ بدايات الثورة الفلسطينية، مرورًا بالانتفاضتين الأولى والثانية، شكّلت قباطية عنوانًا للتحدي والتضحية، وقدّم أبناؤها نماذج متقدمة في المواجهة، حتى عُرفت بـ"قلعة الفهد الأسود"، نسبة إلى مجموعات "الفهد الأسود" التابعة لحركة "فتح"، التي نشأت في البلدة ونشطت فيها خلال الانتفاضات.
ومع تصاعد مرحلة العمليات الفردية، المعروفة بـ"الذئاب المنفردة"، برزت قباطية مجددًا كبيئة حاضنة لهذا الشكل من المقاومة، حيث عبّر شبابها عن رفض الاحتلال بوسائل فردية نابعة من وعي وطني متجذّر.
ورغم ما تتعرض له البلدة من عدوان متكرر وعمليات عسكرية إسرائيلية واسعة، وتطبيقٍ لسياسات العقاب الجماعي، لا تزال تنجب من "الذئاب" من ينقضّون على الاحتلال ويصيبونه في مقتل.
وكان آخر ذلك قبل يومين، حين انطلق أحد شباب البلدة لتنفيذ عملية فدائية قُتل خلالها إسرائيليان وأُصيب آخرون في عملية دهس وطعن بمدينة بيسان المحتلة، قبل أن يُصيبه الاحتلال ويعتقله.
وعقب العملية، شهدت قباطية اقتحامًا عسكريًا واسعًا شنّه جيش الاحتلال بمشاركة عشرات الآليات والجرافات، واستمر من يوم الجمعة حتى منتصف الليلة الماضية، خلّف اعتقالات واسعة ودمارًا في المنازل، وتنكيلاً بالسكان.
وزعم جيش الاحتلال في بيان رسمي أن العملية جاءت لـ"إحباط الإرهاب"، على حد وصفه، مشيرًا إلى أن منفذ عملية بيسان هو الشاب أحمد أبو الرب (37 عامًا) من بلدة قباطية، الذي قال أثناء التحقيق الأولي معي إنّه نفذ عمليته ردًا على اعتداءات المستوطنين بحق الفلسطينيين.
عناد وصلابة مستمدة من صخرها
في قراءة للسياق الاجتماعي والتاريخي، يقول الباحث والكاتب ثامر سباعنة، ابن بلدة قباطية:، في علم الاجتماع هناك علاقة بين التفكير والبيئة، ودائمًا أقول إن قباطية بيئة جبلية، وطبيعة عمل أهلها في المحاجر والصخر، منحتهم صفة العناد والصلابة".
ويضيف سباعنة، في حديثه لـ"وكالة سند للأنباء"، مستعرضًا تاريخ المقاومة في البلدة: "نجد مشاركة أبناء قباطية مع مجموعات عز الدين القسام الأولى أيام الاستعمار البريطاني، كما أن علي أبو عين، ابن البلدة، هو من نفّذ عملية اغتيال الضابط البريطاني موفت المسؤول عن جنين عام 1938".
ويؤكد سباعنة أن قباطية احتلت مكانة بارزة في تاريخ النضال الفلسطيني، وبقيت حاضنة شعبية للمقاومة عبر مختلف المراحل. ومع تصاعد العمليات الفردية، عبّر شبابها عن رفضهم للاحتلال بوسائل نابعة من المبادرة الذاتية، لتظل رمزًا للإرادة الشعبية التي لا تنكسر رغم القمع والملاحقة.
محطات لا تُنسى
ويشير سباعنة إلى محطات تاريخية لا تُنسى، من بينها عملية رائد زكارنة التي شكّلت أول رد مقاوم على مجزرة الحرم الإبراهيمي، مستطردًا: "ارتبطت هوية قباطية في وعي سكانها برمزية المقاومة والكرامة الوطنية، حتى غدت جزءًا من الذاكرة الجمعية لأهلها".
ويرى أن أبناء البلدة نشؤوا في بيئة تعتبر مواجهة الاحتلال فعلًا أخلاقيًا وواجبًا وطنيًا، لا حالة عابرة، موضحًا: "هذا الارتباط العميق انعكس على السلوك العام للبلدة، فبقيت حاضنة للفعل المقاوم عبر الأجيال".
ويتابع سباعنة: "معروف أن قباطية احتضنت وحمت العديد من قيادات المقاومة الفلسطينية، مثل ياسر عرفات الذي عاش فترة في جبالها، إضافة إلى الشهيد يحيى عياش. كما انطلقت منها النواة الأولى لـ "لفهد الأسود"، وهي موطن رأس الشهيد عبد القادر كميل، الذي يُنسب إليه إطلاق اسم كتائب القسام على مجموعات المقاومة في حركة حماس".
ويشدد ضيف "سند" أن سياسات العقاب الجماعي من اقتحامات وهدم وملاحقات لم تنجح في كسر النفس الثوري للبلدة، بل زادته رسوخًا، إذ تحوّل القمع إلى عامل تعزيز للتماسك والرفض لا أداة ردع.
خزّان للثورة الفلسطينية
من جانبه، يرى المحلل السياسي نزار نزال، ابن قباطية، أن هناك فشلًا واضحًا في المقاربة الأمنية الإسرائيلية، قائلًا: "هذه الإجراءات رفعت منسوب الغضب والدافعية لدى المقاتلين والأفراد لتنفيذ مثل هذه العمليات، فالضغط الأمني وحده لا يحقق ردعًا طويل الأمد".
ويضيف في حديثه لـ"وكالة سند للأنباء": "قباطية تاريخيًا خزان للثورة الفلسطينية، وغالبًا ما تصحو متأخرة لتلتحق بالمشهد، لكن إذا ما انطلقت المقاومة فيها، فمن الصعب إخماد نارها".
ويتفق نزال مع سباعنة في أن المقاومة في قباطية ليست ظاهرة طارئة، بل امتداد اجتماعي محلي يعتمد على المبادرة الفردية.
ويشير إلى أن "الأثر التراكمي للدم والرمزية" يلعب دورًا محوريًا، في ظل العدد الكبير من الشهداء، ما خلق رصيدًا رمزيًا يدفع نحو الاستمرار في الفعل المقاوم".
ويرى أن المقاومة في البلدة شهدت تحوّلًا في طبيعتها ونمطها، وأصبحت "أكثر مرونة"، على حد تعبيره.
بالمجمل، يؤكد نزال أن الحل الأمني في قباطية "لا يجدي نفعًا مطلقًا"، مستشهدًا بتجربتي الانتفاضتين، ومحذرًا من أن استمرار الضغط الأمني قد يقود إلى عمليات أخرى "أكثر وجعًا وإيلامًا" للاحتلال.
وعن البيئة المجتمعية والبنية الفكرية في البلدة، يوضح أن قباطية شكّلت عبر تاريخها حاضنة فعلية لترسيخ الوعي المقاوم، لافتًا إلى أن ذاكرة الاشتباك الطويلة، من شهداء وجرحى وأسرى ومطاردين ومنازل مهدمة، تُنقل شفهيًا داخل العائلات والأحياء، لتصبح جزءًا من الهوية لا مجرد رواية تاريخية.
ويضيف أن الطابع العائلي المتماسك والروابط الاجتماعية القوية، إلى جانب الوعي السياسي المبكر الناتج عن الاحتكاك اليومي مع الاحتلال، أسهمت جميعها في ترسيخ هذا النهج.
"نادرًا ما يغيب الحديث عن السياسة والاحتلال والقضية الفلسطينية في جلسات الناس، سواء في الشارع أو المقاهي أو المدارس"، يقول نزال.
ويؤكد على فشل الردع الإسرائيلي في كسر إرادة الناس في قباطية، معتبرًا أن العامل القيمي والأخلاقي يلعب دورًا حاسمًا، إذ تُرى المقاومة بوصفها دفاعًا عن الأرض والكرامة خاتمًا حديثه "قباطية تمثل نموذجًا ينتج المقاومة ولا يستهلكها".
