قطيعٌ صغير من الأبقار يقوده مستوطن يقيم على رأس تلة تشرف على قطاع غزة وكامل الساحل الفلسطيني، شكّل أداة للسيطرة على آلاف الدونمات من أراضي قرية البرج، أقصى جنوب الخليل، ضمن ما بات يُعرف بـ "المستوطنات الرعوية".
هذه الممارسات حوّلت مساحات واسعة من أراضي القرية إلى خراب، بعد منع المواطنين من الوصول إليها وحرمانهم من استغلالها.
ولم يكن الرابع عشر من نيسان/ أبريل الماضي يومًا عاديًا على سكان قرية البرج والمناطق المجاورة؛ إذ فوجئ الأهالي مع ساعات الفجر الأولى ببدء إقامة بؤرة استيطانية جديدة على أراضي منطقة "الهمار".
وخلال ساعات قليلة، جلب المستوطن قطيع الأبقار إلى مزرعة أقامها على عجل، تحت حماية مباشرة من جيش الاحتلال.
مستوطنة رعوية تلتهم آلاف الدونمات
"حفات أشكولوت" هو الاسم الذي أُطلق على هذه البؤرة الاستيطانية المستحدثة، وتقع بالقرب من مستوطنة "أشكيلوت" المجاورة، ويقطنها عدد قليل من المستوطنين الذين يعملون على رعي الأبقار في آلاف الدونمات من أراضي المواطنين في القرية.
ويؤكد رئيس مجلس قروي البرج، يوسف تلاحمة، أنّ إقامة هذه البؤرة حرمت المواطنين من الوصول إلى آلاف الدونمات التي كانوا يعتمدون عليها في رعي الأغنام وزراعة المحاصيل، فضلًا عن منعهم من قطف مئات أشجار الزيتون.

ويوضح تلاحمة، في حديثه لـ "وكالة سند للأنباء"، أنّ جيش الاحتلال يوفر حماية كاملة لاعتداءات المستوطنين، من خلال احتجاز المواطنين فور وصولهم إلى أراضيهم، في محاولة لفرض أمر واقع يُبقي المنطقة خالية من السكان، ومفتوحة أمام المستوطنين وأبقارهم.
المتنفس الوحيد للقرية
ويضيف أن ملكية هذه الأراضي تعود لعائلات من مدن دورا والظاهرية والرماضين، وكانت تشكّل المتنفس الوحيد للمواطنين، سواء كمتنزه طبيعي أو كمناطق للزراعة والرعي. ومع إقامة هذه البؤرة، باتت القرية محاصَرة، وضاق الخناق على سكانها.
ورغم دعوات المزارعين والمواطنين إلى عدم إخلاء أراضيهم، إلا أن ملاحقة المستوطنين وجيش الاحتلال لرعاة الأغنام وأصحاب الأراضي، والاستيلاء على مركباتهم واحتجازهم لساعات طويلة، حوّلت هذه المناطق إلى أراضٍ موحشة وخالية.
ويشير تلاحمة إلى أن هذه الأراضي كانت مقصدًا لعشرات المواطنين، ويعتمد عليها المزارعون في رعي المواشي، حيث يوجد أكثر من خمسة آلاف رأس من الأغنام والماعز باتت بلا مراعٍ.

وأدى ذلك إلى أزمة خانقة لدى مربي المواشي، الذين اضطروا إلى شراء الأعلاف حتى في موسم الرعي، ما ألحق بهم خسائر فادحة.
ويقول المواطن أحمد الفقيه إنه يفكر ببيع قطيع أغنامه الذي كان يعتمد في تغذيته على الرعي في هذه الأراضي والمحاصيل الشتوية.
فمنذ الأسبوع الأول لإقامة البؤرة، مُنع من الرعي رغم ابتعاده عنها أكثر من 1500 متر، وتعرض للاحتجاز والتهديد بمصادرة الأغنام.
ويضيف الفقيه في حديثه لـ "وكالة سند للأنباء"، أن مربي الأغنام لم يعودوا قادرين على توفير الأعلاف، خاصة أنهم كانوا يعتمدون على تخزين المحاصيل الزراعية لفصل الشتاء، ومع تفاقم الأوضاع الاقتصادية، سيُجبر كثيرون على بيع مواشيهم.
ويناشد الجهات الرسمية بترجمة الحديث عن تعزيز صمود المواطنين إلى خطوات عملية، والوقوف إلى جانبهم من أجل البقاء في أراضيهم، في ظل تهديدات حقيقية بملاحقتهم حتى داخل منازلهم، كما يجري في مناطق أخرى.

من جانبه، يوضح الباحث في مركز أبحاث الأراضي، راجح التلاحمة، أن ما جرى في هذه المنطقة بدأ فعليًا منتصف آذار/ مارس من العام الجاري، حين أحضر أحد المستوطنين الحضائر والخيام إلى أراضٍ خاصة تعود لمواطنين من الظاهرية، وهي أراضٍ رعوية تشكّل السلة الغذائية لقرية البرج.
وخلال أيام قليلة، قام المستوطنون بتجريف الأراضي وإقامة بؤرة استيطانية رعوية، وجلبوا قطيعًا من الأبقار، في مساحة لا تتجاوز ثلاثة دونمات تسكنها عائلة المستوطن، وأطلقوا عليها اسم "حفات أشكولوت".
ولم يكتفِ المستوطنون بإقامة البؤرة، بل باتوا يمنعون المواطنين من الوصول إلى نحو ثمانية آلاف دونم، ويطلقون أبقارهم فيها، ما أدى إلى تدمير الغطاء النباتي نتيجة الرعي الجائر في أراضٍ محمية.
سياسة استيطانية خطيرة ووقائع جديدة على الأرض
ويشير التلاحمة إلى أن فلسفة المستوطنات الرعوية تقوم على وجود أقل عدد ممكن من المستوطنين مقابل السيطرة على أكبر مساحة من الأراضي، إذ لا يتعدى التواجد العمراني الاستيطاني ألفي متر مربع، بينما تمتد السيطرة إلى آلاف الدونمات.
ويرى الباحث في حديثٍ مع "وكالة سند للأنباء" أن المستوطنين يمارسون العنف والترهيب ومطاردة المزارعين قرب هذه البؤرة، ويمنعونهم من الوصول إلى أراضيهم التي تتجاوز مساحتها ثمانية آلاف دونم، دون أوامر عسكرية أو خرائط واضحة.

ويأتي ذلك ضمن توجه استيطاني يعتمد على أن حدود البؤرة هي المساحة التي تصل إليها قطعان الأبقار، حتى لو امتدت إلى محيط المنازل.
وعمد المستوطنون كذلك، إلى إزالة الحدود الطبيعية وإخفاء معالمها في منطقة "السبطي" بين أراضي المواطنين، ما قد يخلق مستقبلًا مشاكل اجتماعية بين أصحاب الأراضي، بهدف دمجها في قطعة واحدة.
وقد قاموا بحراثة مساحات واسعة منها، في تكرار لنمط استيطاني شهدته مناطق أخرى.
ويحذّر التلاحمة من خطورة سياسة البؤر الاستيطانية الرعوية، التي تنفذها مجموعات من المستوطنين المتطرفين مستغلين الظروف السياسية الراهنة، وبدعم سياسي إسرائيلي غير محدود، لخلق وقائع جديدة على الأرض.
ولا تتوقف اعتداءات المستوطنين في المنطقة عند الاستيلاء على الأراضي ومنع المواطنين من الوصول إليها، بل تشمل اقتحامات متكررة برفقة جيش الاحتلال، تتخللها مداهمات شبه يومية، وتفتيش للمنازل، ومصادرة للمركبات بشكل غير مسبوق مقارنة بما كان عليه الوضع قبل إقامة هذه البؤرة.
