في غزة، تكثر الحكايا والتفاصيل المؤلمة، فألم الفقد لا يتوقف، قد يكون فقدًا لعزيز، لأم أو أب أو عائلة بأكملها، وقد يكون فقدًا لجزء من جسد، يوارى تحت التراب، بينما يعيش صاحبه بجسد منقوص، وألم مكتمل.
هكذا حال الطفل عمر حلاوة، الذي يحرص على الجلوس بجوار قبر صغير، لا يضم جسد إنسان، بل ساقه التي بُترت جراء قصف الاحتلال، يحدّق في التراب بصمت، ويرفع يديه بالدعاء، فيما لا يفارقه حلم واحد: أن يقف يومًا ما ويركض من جديد كأطفال العالم.
تعود والدته "ياسمين حلاوة" بذاكرتها إلى لحظة الانكسار الأولى، وتروي تفاصيل ما جرى قائلة: "كنا نازحين بخيمة في منطقة الـ17، لم نكن نحصل على الماء، وكنا نعتمد على مياه البحر للغسيل والجلي، وكنا بحاجة لمياه للشرب، اضطر عمر للذهاب للحصول على الماء من منطقة شارع العمادي، وهي بعيدة عن مكان نزوحنا".
وتتابع: "ذهب عمر وأخته وأولاد عمه للحصول على الماء، سمعنا صوت القذائف، قلت لزوجي الوضع صعب وربنا يستر، فجأة سمعنا شبابًا ينادون ويبحثون عن والد ووالدة الطفل عمر حلاوة".
تتابع برجفة صوت وصدمة لا تفارقها: "خرجت من الخيمة وسألتهم عن عمر، فأخبروني أنه مصاب إصابة خفيفة برجله، وتم نقله إلى مستشفى الشفاء".
تقول الأم إن الصدمة بدأت تتفاقم لحظة وصولها إلى المستشفيات: "خرجنا مسرعين أنا ووالده ونحن بحالة صدمة، لم نجده في مستشفى الشفاء، ذهبنا إلى مستشفى السرايا الميداني، وبمجرد وصولنا سألنا عن عمر، فأخبرونا أنه بالعمليات وتم بتر رجله، وأن من وصل معه كلهم شهداء".
وتصف شعورها في تلك اللحظة بمرارة: "كان الموقف صعبًا جدًا، حتى الآن لا يذهب من مخيلتي، صدمة كبيرة أعيشها منذ تلك اللحظة".
حياة مسروقة..
تستذكر ياسمين حياة طفلها قبل الحرب، وتقول: "كان يستيقظ عمر قبل الحرب، يشرب الحليب، يرتدي أجمل اللباس ويذهب للمدرسة، الآن بعد الإصابة تحطم عمر، صحته تدهورت".
وتضيف أن المعاناة لم تتوقف عند الإصابة: "حالنا بعد عمر زادت سوءًا، خاصة خلال المنخفضات، غرقت خيمتنا، اضطر عمر للنوم عند ناس آخرين خوفًا من أن تصل المياه لقدمه المبتورة وتسوء حالته".
وتشير الأم إلى الفقدان الذي أحاط بابنها من كل الجهات: "أول ما فقد عمر كان جده، الذي كان بالنسبة له الحياة، كما فقد عمه وخاله وأولاد عمه وأصدقاء طفولته. عمر الآن لا ينام الليل، عندما أستيقظ بالليل أتفقدهم أراه مستيقظًا، أسأله لماذا أنت مستيقظ؟ يقول لي لا أستطيع أن أنام".
وتوجه نداءً إنسانيًا مؤلمًا: "أطالب أنا أم الطفل الجريح عمر، أن يشعر كل أب أو أم بعمر ويعتبروا أنه ابنهم، ليس ابني فقط، بل كل أطفال غزة، لهم الحق بالسفر والعلاج وأن يتم تعويضهم عن الحياة والمعاناة التي يعيشوها".
ألم مدفون..
أما عمر، فيروي لحظة إصابته بصوت طفولي مثقل بالخوف: "أصبت عندما كنت ذاهبًا أنا وأبناء عمي لأحضر الماء، لكن الاحتلال استهدفنا بالقذائف، وأصبت بقذيفة دبابة، استشهد أولاد عمي وأنا بُترت قدمي".
يتحسس قدمه ويتابع حديثه لـ "وكالة سند للأنباء": "عندما أُصبت شاهدت نفسي وكل دماء وغبار، وأُصبت بمناطق أخرى بكل جسمي، وبقدمي الثانية لدي إصابات. كان الوضع مخيفًا جدًا، أصوات الرصاص والقذائف من كل مكان".
لم يتوقف الألم عند حدود الإصابة، كما يقول عمر: "كل ذلك الرعب والخوف الذي عشته لم ينتهِ، فألم الإصابة تضاعف بسبب عدم وجود المسكنات والأدوية اللازمة لحالتي. لم يكن هناك علاج كافٍ لحالتي، كنت أصرخ بملء صوتي من شدة الألم".
يجلس عمر اليوم بجوار القبر الصغير الذي دفنت فيه قدمه، ويقول: "آتي هنا دائمًا، أدعو الله أن يعيد لي قدمي، أو أستطيع الوقوف والسير على قدمي مرة أخرى".
ويختم حديثه بحلم بسيط يشبه عمره: "أطالب بأن تتاح لي فرصة السفر لأحصل على طرف صناعي، وأركض وألعب مثل باقي الأطفال".
