"لم أولد باحثاً لكنها الحياة التي تأخذك إلى سُبُلٍ لم تكن تتوقعها فتصنعُ منها مكانتك بنفسك"، ليست مجرد عبارة تمُر عليها مرور الكرام، بل رحلة بحث استمرت 30 عاماً، حملت بين جنباتها علماً يُنيرُ طريقَ أجيالٍ بعد أجيال.
لم تتوقف بوصلة البروفيسور عبد الفتاح عبد ربه المختص بالشؤون البيئية عن الإشارة إلى المعرفة، بل تجاوز علمه الحدود دون أن تمنعه جغرافيا أو حصار، لتصل أبحاثه إلى دول حول العالم، حاملةً معها صوت البيئة الفلسطينية ورؤية علمية تؤمن بأن المعرفة مقاومة، وأن حماية البيئة لا تقل أهمية عن حماية الإنسان.
في هذا الحوار الصحفي، تقترب "وكالة سند للأنباء" أكثر من تجربة "عبد ربه" الاستثنائية، مسلطةً الضوء على رحلته بين البحث والصمود، الحب والحرب والعلم والحياة.
80 عملاً بحثياً.. 30 عاماً من السعي..
بين أزقة مخيم "جباليا" وُلِد عبد الفتاح عبد ربه عام 1964 لأسرة فلسطينية بسيطة من بلدة سمسم المحتلة، ترعرع على حب العلم، حيث أكمل دراسته الثانوية عام 1982، وانطلق بعدها لدراسة بكالوريوس الأحياء في الجامعة الإسلامية.
التحق "عبدربه" بدراسة الماجستير اختصاص "العلوم البيئية" في جامعة الخرطوم بالسودان عام 1996، وأتبعها الدكتوراة في التخصص نفسه بجامعة "النيلين" في السودان كذلك عام 2006، وبعد سنوات من الجد والكد حظي بدرجة الأستاذية خلال العام 2021.
يقول "عبدربه" لمراسلتنا إنه كان من هواة البحث عن الحياة البرية منذ نعومة أظفاره، ما ألجأه للعمل البحثي في مجال البيئة "الطيور، الأشجار، الحيوانات"، كما تطرق بكثافة إلى عالم البحار ليكون بذلك "العالِم" الأول في قطاع غزة في هذا المجال.
80 عملاً بحثياً خالصاً أنجزه "عبد ربه" خلال 30 عاماً، من بينها 11 بحثاً أتمهم في عام 2025، وهي الحصيلة الأكبر المُنجزة في عام فقط، متحدياً بذلك حرب الإبادة على قطاع غزة والتي تسببت بفقد أبنائه وزوجته، رافقها قسوة النزوح وانعدام الإمكانيات وتأرجح الأمل بين إكمال السعي والوقوف في منتصف الطريق.
بالإضافة إلى 5 أبحاث أخرى تعدى فيها حدود قطاع غزة متنقلاً بمعلوماتها بين الضفة الغربية ومدينة القدس، والداخل الفلسطيني المحتل.
ويؤكد ضيفنا أنَّ هذه الأبحاث نوعية وذات سبقٍ في مجالها، حيث يتحين ظهور الحيوانات النادرة في قطاع غزة والمهددة بالانقراض خاصةً البحري منها، ليسارع بذلك لإنشاء مادة علمية بحثية دسمة تجوب العالم ويُتَّخذ منها مرجعاً موثوقاً.
نزوح وفقد.. طريقٌ حُف بالموت من كل جانب..
لم تكتفِ الحرب بمحاصرة "عبدربه" داخل القطاع بل سلبته أسرته وبيته، ودفعت به إلى رحلة نزوح قاسية، ورغم ذلك، لم ينكسر قلمه، ولم تتوقف أبحاثه؛ بل خرجت دراساته من تحت الركام إلى دول العالم، منها أمريكا، الهند، سنغافورة، ألمانيا، باكستان، أندونيسيا، الأردن(..)
خلال عامي الإبادة غاب "عبد ربه" عاماً كاملاً عن الكتابة البحثية، جراء فقدان منزله والنزوح المتكرر والتنقل بين المدارس والخيام من شمال قطاع غزة إلى وسطه، إلى أن استشهد أول أبنائه في أغسطس 2024، وبعدها بأربعة أشهر ارتقت زوجته وعددٌ آخر من أبنائه و25 فرداً من أقاربهم.

يقول ضيف "وكالة سند للأنباء": إنَّ المسيرة البحثية لم تنقطع في ظل الحرب، "لو بدي أقعد في الدار وأحط إيدي على خدي سأصاب بالاكتئاب، أحاول أن أتناسى ما مررت بها من آلام الفقد والنزوح من خلال أبحاثي".
وحول تحديه لصعوبات الحياة والعمل، يزيد: "كنت أستغرق وقتاً في السير بحثاً عن مكانٍ مناسب تتوفر فيه الكهرباء والإنترنت، وأبذل جهداً في المشي على الأقدام إلى تلك الأماكن تحت أزيز الرصاص والموت، في ظل شُح المواصلات".
وبنبرة حزن يتابع حديثه: "لقد فقدتُ ثروتي" في إشارة إلى كتبه التي اقتناها خلال مسيرة حياته من بلدان عدة يعتمد فيها بدرجة كبيرة على أبحاثه، "فقد ذهبت هباءً منثوراً".
ويصف "عبد ربه" إنجازاته خلال عامي الحرب بـ"العظيمة" حيث تمكن من نشر 16 بحثاً في مجلات علمية أجنبية محكمة، معبراً عن ذلك بقوله " لقد كان ذلك العصر الذهبي لي فالبحث العلمي حياة الروح (وَيَبقى العودُ ما بَقِيَ اللِحاءُ)".

ثروة علمية..
ويضعنا "عبد ربه" أمام جُملة من الأبحاث المميزة، أبرزها باكورة أعماله في عام 2026 وهو:" أول تسجيل لقرش الحوت المهدد بالانقراض عالمياً (Rhincodon Typus Smith, 1828) في مياه البحر الأبيض المتوسط قبالة قطاع غزة، فلسطين".
وجاء ذلك بعد أن شهدت سواحل مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة في أكتوبر/ تشرين الأول 2025 ظهور القرش الحوتي العملاق بطول 7 إلى 8 أمتار وبوزن 2.3 طن على سواحلها.
وسبق هذا البحث آخر تحدث عن "سجلات نادرة للقرش الخشن الزاوي (Oxynotus centrina Linnaeus, 1758) المهدد بالانقراض بشدة من النظام البيئي البحري لقطاع غزة، فلسطين". حيث يشبه هذا القرش الفأر أو الخنزير.
ويلفت "عبد ربه" النظر إلى أنَّ هذا البحث يتحدث عن نوع من القروش التي لا تؤكل، والتي تمتاز بندرتها حيث سُجلت 14 عينة لظهروها فقط خلال 20 سنة في غزة، موضحاً أنَّ "هذا النوع نادرٌ في البحر المتوسط كونه يعيش في الأعماق".

ولم تفُت "الفقمة الراهب" التي ظهرت على سواحل مدينتي يافا وغزة عام 2023 المختص "عبدربه" فقد أجرى بحثين عن "التسجيل الأول للفقمة الراهب المتوسطية في فلسطين وقطاع غزة"، بالإضافة إلى أبحاث نوعية عن "القناديل البحرية" بأنواعها ومخاطرها وطُرق العلاج من قرصاتها.

أمَّا ما يتعلق بالطيور فقد أجرى "عبدربه" بحثاً عن 4 طيور غازية للبيئة الفلسطينية في قطاع غزة، هي "طائر الحسون، وطير المينا، الببغاء، الحجل أو الشنار"، بالإضافة إلى بحثين عن اثنين من الطيور الغازية لفلسطين وهما طائر المينا الهندية وطائر الببغاء ذو المنقار الوردي.
وتناولت هذه البحوث وضع تلك الطيور في القطاع موضحاً فيها مخاطر صيدها، وعُرضة بعضها للانقراض.
لكنَّ أمتعها -كما وصف ضيفنا- هو بحثه حول "الطيور التي تزين باحات المسجد الاقصى في مدينة القدس، فلسطين مع تركيز خاص على الحمام الصخري"، والذي اعتُبِر كموسوعة عن 78 صنفاً من الطيور المتواجدة في المسجد الأقصى.
رحلة الشروع بالبحث العلمي..
وحول سؤالنا له عن مراحل كتابته البحثية يجيب:" في بادئ الأمر أستحضر الفكرة، ثم أجمع المعلومات المتعلقة بها من جميع دول العالم"، ثم يرصد "عبد ربه" مواطن الفجوات محاولاً ملاءمتها لبحثه المتعلق بقطاع غزة.
ويتابع:" وبعد ذلك أبدأ برصد المراجع ثم أنتقل للعنوان بما يناسب المادة البحثية، ثم المنهجية انتهاءً بأهم مرحلة وهي النتائج (جدول النتائج بالصور) وملئه بالمعلومات، ثم المقدمة التي تتحدث عن الحيوان بشكل عام وتوضيح المشكلة المتعلقة بها، تليها أهداف البحث، وتبرير القيام به".
ويُشير إلى أنَّ المدة الزمنية التي يستغرقها البحث الواحد تختلف من مادة إلى أخرى، فقد يحتاج بعضها أسابيعاً وأخرى تُنجز في أشهر وربما أعوام، مرجعاً ذلك إلى "نوع البحث وتوفر المعلومات والمصادر المرجعية".

"زكاة علم"..
وفي بادرةٍ تحمل بعدًا إنسانيًا وتربويًا عميقًا، يحرص "عبد ربه" على إشراك أسماء طلبة وباحثين من الجيل الناشئ في أبحاثه العلمية، إيمانًا منه بأن التحفيز المبكر هو مفتاح صناعة الباحثين في المستقبل، فمن خلال هذه الخطوة، لا يمنحهم فقط فرصة الظهور العلمي، بل يزرع فيهم الثقة، ويشجعهم على المضي قدمًا في طريق البحث العلمي، رغم كل التحديات.
الغطاء الحيواني في غزة..
وعن مستقبل قطاع غزة وغطائها الحيواني، يؤكد "عبد ربه" في حديثه لمراسلتنا أن الاستقرار السياسي في قطاع غزة سيساهم في النهوض بالقطاع الحيواني.
ويشدد أن الفقد الذي تعرضت له غزة في الصنف الحيواني "كبير"، لافتاً إلى الغطاء الحيواني يعتمد على الغطاء النباتي، مؤكداً أنَّ الأخير تدمر بنسبة 70% ما انعكس سلباً على قطاع الحيوانات.
وعلى صعيد البحار، يُبيِّن أن تأثير الحرب على الأسماك وصل إلى درجات كبيرة، موضحاً أن نسبة ما يتم اصطياده الآن من الثروة السمكية لا يتجاوز 10% مما كان عليه قبل الحرب، في حين أن تدمير الاحتلال لأكثر من 90% من قوارب الصيد، حال دون التمكن من ممارسة المهنة.
