في تصعيد سياسي خطير، أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية فرض عقوبات على المؤتمر الشعبي لفلسطينيي الخارج إلى جانب ست جمعيات خيرية تنشط في قطاع غزة، متهمةً إياها بالعمل لصالح حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، في خطوة أثارت تساؤلات واسعة حول توظيف العقوبات كأداة ضغط سياسي.
هذا القرار، الذي يستهدف أطرًا مدنية وخيرية تعمل في بيئة إنسانية منهكة، يُنظر إليه كجزء من سياسة أمريكية تتعامل مع العمل الفلسطيني العام بمنطق الاتهام المسبق، وتخلط عمدًا بين الإغاثة والعمل الأهلي من جهة، والصراع السياسي من جهة أخرى، بما يفتح الباب أمام تقويض الجهود الإنسانية وتشديد الخناق على الفلسطينيين تحت غطاء "مكافحة الإرهاب".
ويأتي هذا القرار وسط انتقادات حادة من أطراف فلسطينية وعربية، وصفوا الخطوة بأنها سياسية مجحفة تعتمد على ازدواجية المعايير، وتفتقر إلى معايير قانونية واضحة.
امتدادٌ للانحياز..
وقال نائب رئيس الهيئة العامة للمؤتمر الشعبي لفلسطينيي الخارج ماجد الزير، إن القرار الأمريكي تصعيدًا جديدًا في السياسة الأمريكية المنحازة كليًا للاحتلال الإسرائيلي، ويعكس دعمًا أعمى لسياساته القمعية وغير القانونية بحق الشعب الفلسطيني.
وذكر "الزير" في تصريحات خاصة لـ"وكالة سند للأنباء"، أن هذا القرار لا يمكن فصله عن المساعي المستمرة لـ تقييد الحراك الشعبي الفلسطيني في الخارج، ومحاولة كبح أي نشاط سياسي أو جماهيري يسعى إلى الدفاع عن الحقوق الفلسطينية ضمن الأطر التي يكفلها القانون الدولي.
وبيَّن أن الإدارة الأمريكية أقدمت على هذا الإجراء دون الالتزام بأبسط المعايير القانونية أو المهنية، معتبرًا أن القرار جائر وظالم، ويستند إلى ادعاءات سياسية جاهزة جرى تبنيها دون تحقيق مستقل أو تواصل مع المؤسسة المستهدفة.
وأكد أن هذا القرار يأتي ضمن سلسلة أوسع من الإجراءات الأمريكية الهادفة إلى ضرب أي إطار فلسطيني مستقل وفاعل.
وشدد أنَّ مثل هذه السياسات لن تنجح في إسكات صوت الفلسطينيين في الشتات، ولن تثنيهم عن مواصلة العمل من أجل قضيتهم العادلة.
وأشار "الزير" إلى أن المؤتمر الشعبي لفلسطينيي الخارج هو إطار شعبي جامع، يعمل في الفضاء العالمي حيث يتواجد الفلسطينيون، وينظم فعاليات وأنشطة سياسية ووطنية، ويضم في عضويته فلسطينيين من مختلف الانتماءات والأجيال.
وجدد تأكيده أنَّ المؤتمر يشكّل جزءًا أصيلًا من الحراك الوطني الفلسطيني الساعي إلى استعادة الحقوق المشروعة وفي مقدمتها حق العودة.
خلطٌ متعمَّد بين العمل السياسي والإرهاب..
بدوره، عدَّ عضو الأمانة العامة للمؤتمر الشعبي لفلسطين في الخارج ربحي حلوم، القرار الأمريكي سابقة خطيرة، ويكشف عن مستوى غير مسبوق من "الانحياز الأعمى والدعم السياسي المفتوح لجرائم الاحتلال الإسرائيلي".
وأكد "حلوم" في تصريحات خاصة لـ"وكالة سند للأنباء"، أن المؤتمر الشعبي لفلسطين في الخارج هو إطار وطني جماهيري مستقل، يعمل في العلن، ويمارس نشاطه السياسي والإعلامي والحقوقي دفاعًا عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، مشدداً أنَّ محاولات "شيطنته" لن تنجح في إسكات صوت الفلسطينيين في الشتات.
وأشار إلى أنَّ ما ورد في تصريحات وزير الخارجية الأمريكي يعكس منطقًا سياسيًا يقوم على الخلط المتعمد بين العمل السياسي المشروع والإرهاب، في محاولة لتجريم أي خطاب أو حراك يفضح سياسات الاحتلال أو يناهض الهيمنة الأمريكية على القرار الدولي.
وشدد "حلوم" أنَّ قيادة واشنطن "التي تتصرف بعقلية استعلائية"، تستغل ضعف الإرادة الدولية وغياب آليات فاعلة لتطبيق القانون الدولي، في ظل صمت دولي مريب تجاه الجرائم المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني.
واعتبر أن هذه القرارات لن تمنح واشنطن شرعية أخلاقية، مستدركاً أنها ستُضاف إلى سجلها الحافل بدعم الاحتلال والتغطية على جرائمه.
ودعا "حلوم" القوى الحية وأحرار العالم إلى رفض هذا "التصنيف الجائر"، والدفاع عن حرية العمل السياسي وحق الشعوب في مقاومة الظلم بالوسائل المشروعة كافة.
خرق لسيادة القانون..
وعلى صعيد حقوقي، اعتبر رئيس مركز جنيف لحقوق الإنسان أنور الغربي، القرار الأمريكي قرارًا تعسفيًا يفتقر إلى أي أساس قانوني وفق قواعد القانون الدولي ومواثيق حقوق الإنسان.
وأكد "الغربي" في تصريحات خاصة لـ"وكالة سند للأنباء" أن هذا القرار يشكّل اعتداءً مباشرًا على مبدأ حرية التنظيم والعمل السياسي السلمي، مشدداً أنَّه مبدأ راسخ في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
وبيَّن أنَّ مبدأ "حرية التنظيم والعمل السياسي السلمي" يكفل حق الأفراد والجماعات في التعبير والتنظيم والمشاركة السياسية دون خوف من التجريم أو العقوبات التعسفية.
ونبَّه "الغربي" أن المؤتمر الشعبي لفلسطين في الخارج هو إطار مدني وسياسي معلن، يمارس نشاطه في إطار القانون، ولم يثبت بحقه أي تورط في أعمال عنف أو مخالفات جنائية.
وشدد أن تصنيفه كـ"منظمة إرهابية" دون إجراءات قضائية مستقلة أو أدلة موثقة، يُعد خرقًا فاضحًا لمبدأ سيادة القانون وضمانات المحاكمة العادلة.
وأكد أن مركز جنيف لحقوق الإنسان سيعمل على توثيق هذا الانتهاك، ودراسة السبل القانونية الممكنة لمواجهته على المستويات الدولية، بما في ذلك مخاطبة المقررين الخاصين في الأمم المتحدة، والدفاع عن حق الفلسطينيين في الخارج في العمل السياسي المشروع دون ترهيب أو تجريم.
ولفت "الغربي" النظر إلى أنَّ الولايات المتحدة الأمريكية -بصفتها دولة موقعة على عدد من الاتفاقيات الدولية- لا تملك شرعية فرض تصنيفات سياسية أحادية الجانب ذات آثار قانونية عابرة للحدود، خاصة عندما تستهدف مؤسسات تعمل في المجال الحقوقي والسياسي المرتبط بقضية تحرر وطني معترف بها دوليًا.
ويندرج هذا القرار – وفق ما ذكره الغربي- ضمن سياسة أوسع لتجريم النضال السياسي الفلسطيني، وخلط متعمد بين الإرهاب المحظور دوليًا وبين حق الشعوب الواقعة تحت الاحتلال في الدفاع عن حقوقها، مبيناً أنه حق مكفول في ميثاق الأمم المتحدة وقرارات الجمعية العامة ذات الصلة.
وحذر رئيس مركز جنيف لحقوق الإنسان من أن استمرار هذه السياسات يقوّض النظام الدولي القائم على القواعد، ويُسهم في إضعاف مصداقية المؤسسات الدولية، كما يشجع دولًا أخرى على استخدام أدوات التصنيف والعقوبات كوسيلة لتصفية الخصوم السياسيين.
ووفي السياق، اعتبر "الغربي" صمت المجتمع الدولي، ولا سيما الاتحاد الأوروبي، إزاء مثل هذه القرارات، يمثل تقاعسًا خطيرًا عن حماية المبادئ التي قام عليها النظام الحقوقي الدولي، داعيًا إلى موقف أوروبي واضح يرفض التبعية للقرارات الأمريكية المخالفة للقانون الدولي.
