بعد يومين من عملية نبش واسعة في مقبرة "البطش" في حي التفاح شرق مدينة غزة، أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي العثور على جثة الأسير الأخير ران غفيلي، واصفاً الأمر "إنجازا غير مسبوق"، بينما تكشف المتابعات الميدانية والإعلامية عن مفارقات حادة تتعلق بجدوى الخيار العسكري والاعتبارات السياسية في إدارة هذا الملف.
ماذا عن جثامين الشهداء الفلسطينيين؟
وتُظهر التوثيقات أنَّ العملية التي استمرت يومين، شهدت أعمال نبش واسعة لمئات القبور وتجريفها طالت أكثر من 250 قبراً لشهداء فلسطينيين.
وتم استخراج جثامين الفلسطينيين ونقلها للفحص في معهد الطب العدلي "أبو كبير" للتحقق من هوية الجندي الإسرائيلي، رافقها إطلاق نار مكثف في المنطقة وكتلة نارية كبرى للتغطية على انسحاب الجيش الإسرائيلي.
وتبرز هنا مفارقة إنسانية وأخلاقية صارخة؛ إذ استنفرت "إسرائيل" آلتها العسكرية لنبش المقابر بحثا عن جثة واحدة، في حين لا يزال أكثر من 10 آلاف شهيد فلسطيني تحت الأنقاض في قطاع غزة دون أن يلتفت العالم لمصيرهم.
وما يظهر في الصورة التالية من علامات زرقاء، هو جثامين فلسطينية فُحصت إسرائيلياً بعد نبش "إسرائيل لمقبرة كاملة من أجل العثور على جثة!

وأظهرت تقارير إسرائيلية، أن المستوى السياسي بقيادة بنيامين نتنياهو تعمد تأخير إعطاء الضوء الأخضر للجيش لبدء عملية التنقيب عن جثة غفيلي، رغم توفر معلومات استخباراتية دقيقة عن مكانه منذ مدة.
وبحسب التحليل، فإن رغبة "نتنياهو" في كسب الوقت والمماطلة السياسية لتجنب استحقاقات اتفاق يؤدي إلى فتح معبر رفح، دعته للمماطلة في تأخير البحث عن الجثة الأخيرة، ما تسبب له بحرج كبيرا أمام حلفائه المتطرفين في الحكومة. وبذلك، تحولت جثة الجندي إلى أداة سياسية لتعطيل مسارات إنسانية أوسع.
وخلال الشهور الماضية، ربطت "إسرائيل" إعادة فتح الجانب الفلسطيني من معبر رفح الحدودي بين غزة ومصر باستعادة جثمان آخر أسير لها من القطاع، فيما سيطرت على المعبر منذ مايو/ أيار 2024، وأطبقت الحصار على الفلسطينيين بالقطاع.
بالأرقام.. فشل الضغط العسكري
في حين احتفل "نتنياهو" باستعادة الجثة معتبرا إياها ثمرة للضغط العسكري، تفند التقديرات الصحفية هذه الادعاءات.
وتُشير التقديرات إلى أنَّ مسار التفاوض نجح في استعادة 126 أسيرا إسرائيليا أحياء من خلال الصفقات والوساطات، بينما لم يتمكن الخيار العسكري طوال فترة الحرب من استعادة سوى 8 أسرى أحياء فقط عبر عمليات عسكرية متفرقة.
كما تسبب العمل العسكري في مقتل 41 أسيرا إسرائيليا داخل الأسر، قتل العديد منهم بنيران الجيش الإسرائيلي نفسه أثناء محاولات تخليصهم أو نتيجة القصف.
مماطلة إسرائيلية..
وحاول نتنياهو في خطابه أمام الكنيست تسويق الحدث على أنه نهاية لمرحلة ممتدة منذ عام 2014، مدعيا أنه لأول مرة لا يوجد أي أسير أو جثة إسرائيلية لدى المقاومة.
ورغم هذا الإعلان، إلَّا أن المقاومة الفلسطينية كانت قد قدمت معلومات للوسطاء لإغلاق هذا الملف، مؤكدة التزامها ببنود اتفاق وقف إطلاق النار ومسار صفقة التبادل التي عطلها الاحتلال بخروقاته المستمرة التي تجاوزت 1300 خرق.
وأكدت المقاومة الفلسطينية أن الوسطاء امتلكوا إحداثيات جثة آخر أسير إسرائيلي قبل 3 أسابيع، إلا أن "نتنياهو" تعمَّد المماطلة في إخراجه، رابطاً العثور عليه بملف معبر رفح.
ومن جانبها، أكدت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) أن استعادة جثة آخر أسير إسرائيلي تؤكد التزامها بكل متطلبات اتفاق وقف الحرب على غزة ومن أهمها مسار صفقة التبادل الذي أغلق بالكامل بعد العثور على جثة الأسير الأخير.
وقبل غويلي، كانت الفصائل الفلسطينية قد سلمت "إسرائيل" منذ بدء المرحلة الأولى لوقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، 20 أسيرا إسرائيليا أحياء ورفات 27 آخرين.
وسعى الاتفاق لإنهاء إبادة جماعية إسرائيلية منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023 واستمرت عامين، فيما لا تزال خروقات الاتفاق مستمرة حتى اللحظة.
