سلط موقع "ذا إنترسبت" الأمريكي الضوء على أنه بعد أكثر من عامين من الإنكار المنهجي لحصيلة الشهداء الفلسطينيين في قطاع غزة، أقرّ الجيش الإسرائيلي بصحة الأرقام التي أعلنتها وزارة الصحة في غزة، معترفًا بأنها تمثل تقديرًا دقيقًا لعدد الضحايا الذين سقطوا خلال حرب الإبادة الجماعية على القطاع المحاصر.
وبحسب ما نشرته صحيفة هآرتس العبرية، فإن الجيش الإسرائيلي، الذي دأب طوال الفترة الماضية على رفض بيانات وزارة الصحة واعتبارها “دعاية للمقاومة”، بات يعتمد هذه الأرقام رسميًا، ويقوم بتحليلها داخليًا لتصنيف الشهداء بين مقاومين ومدنيين. ويؤكد هذا التقرير ما سبق أن نشرته مواقع إعلامية إسرائيلية مثل “لوكال كول” و”فايس”.
وكانت منظمات حقوقية دولية، وهيئات تابعة للأمم المتحدة، إضافة إلى مجلة طبية مرموقة، أكدت على مدى سنوات دقة منهجية وزارة الصحة في غزة في توثيق أعداد الشهداء، مشيرة إلى أنها تعتمد معايير مهنية، وتنشر دوريًا أسماء الضحايا ومعلوماتهم التعريفية.
التشكيك كأداة سياسية
لم يكن التشكيك في أعداد الضحايا الفلسطينيين مجرد خلاف إحصائي، بل شكّل أداة سياسية ساهمت في حماية دولة الاحتلال الإسرائيلي من المساءلة الدولية.
فعلى الرغم من اعتماد المدافعين عن حقوق الإنسان على أرقام وزارة الصحة في غزة، فإن البيت الأبيض وأعضاء في الكونغرس الأمريكي، إلى جانب معلّقين مؤيدين لإسرائيل ووسائل إعلام تقليدية، واصلوا الطعن في مصداقية هذه الحصيلة.
وقد مهّد هذا التشكيك الطريق أمام إنكار مستمر لما تصفه منظمات حقوقية بالإبادة الجماعية، ما ساعد على توفير غطاء سياسي ودبلوماسي لإسرائيل، ومكّن الولايات المتحدة من مواصلة دعمها العسكري دون مساءلة داخلية جادة.
وقالت سارة ليا ويتسون، المديرة التنفيذية لمنظمة “الديمقراطية للعالم العربي الآن” (DAWN)، إن “إدارة بايدن والكونغرس ووسائل الإعلام الأمريكية تواطأت مع أكاذيب (إسرائيل) وتضليلها بشأن الحصيلة المروعة للشهداء في غزة”.
وأضافت أن أكثر من 80% من الضحايا مدنيون، وأكثر من نصفهم من النساء والأطفال، مؤكدة أن إنكار هذه الأرقام ساهم في استمرار الجرائم وتسليح دولة الاحتلال دون عوائق.
شهادات من قلب المأساة
من جانبه، قال هاني المدهون، المؤسس المشارك لمطبخ غزة الخيري، والذي استشهد شقيقه محمود في غارة بطائرة مسيّرة إسرائيلية في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، إن من المؤلم الدفاع عن حقيقة مقتل العائلة أمام مسؤولين وإعلاميين يصفون الضحايا بأنهم “أرقام كاذبة”.
وأضاف في تصريح صحفي: “أتمنى على كل متحدث رسمي أو مذيع أو شخصية عامة روّجت لهذا الإنكار، ألا تختبر يومًا ألم فقدان عائلتك، ثم يُقال لك إن خسارتك محل نزاع”.
ومع منع سلطات الاحتلال دخول الصحفيين الدوليين والعاملين في المنظمات غير الحكومية إلى قطاع غزة، أصبحت وزارة الصحة الفلسطينية المصدر الموثوق الوحيد لتوثيق أعداد الشهداء خلال الحرب.
ووفق أحدث بيانات الوزارة، استشهد ما لا يقل عن 71 ألف فلسطيني حتى الآن، وهو رقم مرشح للارتفاع في ظل استمرار الغارات الإسرائيلية شبه اليومية، رغم الحديث عن وقف لإطلاق النار.
حملة إنكار منظمة
على مدار الحرب، شاركت شخصيات سياسية أمريكية بارزة، وأعضاء في الكونغرس من الحزبين، وجماعات ضغط مؤيدة لإسرائيل، في حملة منظمة للتشكيك في أرقام الضحايا.
ففي يونيو/حزيران 2024، أقرّ الكونغرس تعديلات تشريعية تمنع وزارة الخارجية والبنتاغون من الاستشهاد ببيانات وزارة الصحة في غزة باعتبارها “موثوقة”.
كما قارن بعض المشرعين، مثل النائبين ريتشي توريس وستيني هوير، وزارة الصحة في غزة بتنظيمات "إرهابية"، في تصريحات وُصفت بأنها تحريضية وتجريدية من الإنسانية.
ولم يقتصر الأمر على السياسيين، بل انضمت منظمات ضغط مثل رابطة مكافحة التشهير (ADL) ولجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك)، إضافة إلى مراكز أبحاث وشخصيات أكاديمية، إلى التشكيك العلني بالأرقام، ووصفتها بأنها “خرافة” أو “دعاية”.
الاعتراف… وما بعده
اليوم، وبعد أن أقرّ الجيش الإسرائيلي نفسه بدقة بيانات وزارة الصحة في غزة، يطرح هذا الاعتراف سؤالًا أخلاقيًا وسياسيًا ملحًا: هل سيتراجع من أنكروها؟ وهل سيُعاد النظر في السياسات التي بُنيت على هذا التشكيك؟
حتى اللحظة، لم يصدر أي اعتذار أو مراجعة من السياسيين أو المؤسسات التي شككت بالأرقام، ما يعزز القناعة لدى مراقبين بأن إنكار حصيلة الشهداء لم يكن خطأً عابرًا، بل خيارًا سياسيًا واعيًا، هدفه تعطيل المحاسبة وإطالة أمد الإفلات من العقاب.
لقراءة نص التقرير كاملا في موقع "ذا إنترسبت" أضغط هنا
