"فُتح معبر رفح"، عبارة افتُتِحت بها نشرات الأخبار وأحاديث الغزيين على مدار اليومين الماضيين، لكنها تخفي خلفها لهيبًا من الألم والغضب في قلب كل فلسطيني يمرّ بالمعبر عائدًا لأرض وطنه.
هناك حيث لا كرامة تُصان، ولا حقوق إنسان تقدّس، وكأن نصيب الفلسطيني أن يذوق الألم حتى وهو عائد لأرضه وأهله، وكأنه يرتكب جرمًا.
تفاصيل مؤلمة عاشتها الفلسطينيتان صباح وروتانا الرقب، وهما في طريق عودتهما للقطاع بعد أن تمكنتا من الحصول على فرصة نادرة بالعودة للقطاع المحاصر، بعد فتح معبر رفح.
وأمس الإثنين، سمحت قوات الاحتلال بـ "فتح محدود" لمعبر رفح البري، جنوبي قطاع غزة، بعد قرابة العامين من إغلاقه وتدميره خلال حرب الإبادة في القطاع.
ووصلت مساء أمس الإثنين، أول حافلة إلى قطاع غزة تقِل 12 مواطناً من العائدين جُلهم من السيدات، بعد انتظار طويل أمام إغلاق معبر رفح البري، تبعتها الحافلة الثانية صباح اليوم.
غياب وألم..
لم تكن العودة إلى الوطن حلمًا بسيطًا بالنسبة لصباح وروتانا الرقب، بل كانت وعدًا بالحياة ومحاولة أخيرة للتشبث بالأرض بعد طول غياب وألم.
وعادت صباح الرقب، أمس، بعد رحلة علاج طويلة لمرض مزمن ونادر، جسدها منهك وروحها معلقة بفكرة واحدة: أن تصل وترى بيتها، وأن تشعر بأنها نجت، أما روتانا، فكانت عائدة تحمل اسمها وهويتها الفلسطينية، وثقة فطرية بأن العودة حق، وأن الطريق إلى الوطن لا يجب أن يكون فخًا.
في ساعات الفجر، بدأت "صباح" بجمع أغراضها على عجل، مُنعَت من حمل بعض الأشياء، وأُجبرت على ترك أخرى، وكأن العودة نفسها مشروطة بالتجرد من كل ما يخصها. جلست ساعات طويلة في الصالات، خضعت لتفتيش متكرر، انتظرت فتح بوابة لا تُفتح، وكل دقيقة تمر كانت تسحب من جسدها ما تبقى من قوة.
وفي الجهة الأخرى، كانت تمشي "روتانا" نحو الباص بخطوات مترددة، تنظر حولها، تحاول إقناع نفسها أن هذا مجرد إجراء، وأن القلق سينتهي عند أول متر داخل غزة. لكن الطريق لم يكن كما تخيلتا.
لحظات مرعبة..
عند نقاط المراقبة، تغيّرت الأمور؛ الكلمات اللينة تحوّلت إلى أوامر، والادعاء بالحماية انكشف كقناع هش يخفي خلفه قسوة غير متوقعة.
تكمل صباح تفاصيل تلك الساعات الثقيلة في حديثها لـ "وكالة سند للأنباء": "أخذوني جانبًا، فتشت، كبلت، أغمضوا عيوني، رُشّوني بالماء على جسدي المنهك، سرقوا حقيبتي وسواري، وتحوّل التحقيق إلى ضرب وإهانة وتهديد بالاختفاء".
كانت "صباح" تسمع كلمات باردة: "نعتقلك.. ولا حدا يعرف عنك"، وهي تدرك أن المرض الذي أنهكها سنوات لم يكن أقسى من هذه اللحظة.
في الوقت نفسه، كانت روتانا تُمسك من يدها، لا لحمايتها، بل لتُسلَّم؛ وعن تلك اللحظات تخبرنا: "سمعت جملة ما زالت ترنّ في أذني: إحنا بنحمي الشعب، سألت نفسي حينها: أي حماية هذه؟ وأنا امرأة وحيدة تُساق من يدها وتُسلَّم للجيش؟".
في تلك اللحظة، لم تفكر روتانا بالسياسة، بل بالكرامة، وتكمل حديثها لـ "وكالة سند للأنباء": شعرت أن الأرض تهتز تحت قدمي، وأن الخوف لم يعد من العدو فقط، بل من اليد التي ادّعت الانتماء".
بعد ساعات من الاحتجاز والتنكيل، خرجت صباح محطمة، لا تعرف كيف جمعت ما تبقى من نفسها، ولا كيف وقفت على قدميها من جديد. أما روتانا، فقد أدركت أن العودة قد تتحول إلى اختبار قاسٍ للثقة، وأن السؤال الأخطر ليس من يمنعك من الدخول، بل من يسلّمك وأنت في طريقك إلى بيتك.
وصلت "صباح" وروتانا" إلى غزة، لكن العودة لم تكن نهاية القصة، بل بدايتها؛ فأرواحهما ما زالت عالقة عند تلك النقاط المظلمة على الطريق. في قصة عودة للوطن وكرامة أُهينت باسم الحماية.
وتصف روتانا بصوت مرتجف المسلحين الذين كانوا يسلمون العائدون لغزة لجيش الاحتلال بالقول: "هدول مش فلسطينية".
من جهته، أكد مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة، إسماعيل إبراهيم الثوابتة، أن إجراءات الاحتلال الإسرائيلي بحق المواطنين العائدين إلى القطاع "محاولة واضحة لتكريس رسالة ترهيب نفسي مفادها أن العودة إلى الوطن محفوفة بالمخاطر والضغوط".
وقال "الثوابتة" في تصريح خاص لـ "وكالة سند للأنباء" اليوم الثلاثاء، إن الاحتلال يواصل فرض سياسات تفتيش وتحقيق وتضييق ممنهجة بحق المواطنين العائدين إلى قطاع غزة عبر معبر رفح البري.
وأردف: "هذه الممارسات تستهدف ردع المواطنين عن ممارسة حقهم الطبيعي والقانوني في العودة، وتشكل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني".
ويعد معبر رفح الممر الوحيد لأكثر من مليوني نسمة في قطاع غزة نحو العالم الخارجي، من طلاب، ومرضى، وتجار، وهو المدخل الرئيسي لقوافل المساعدات الطبية والغذائية والوقود، كما يُعتبر رمزاً للاتصال الجغرافي الفلسطيني مع العمق العربي.
ومنذ مطلع العام 2024، يخضع المعبر لسيطرة إسرائيلية كاملة، فيما تعرضت مرافقه للقصف والتدمير خلال العدوان العسكري.







