دخلت دولة الاحتلال الإسرائيلي منذ أواخر عام 2023، مرحلة جديدة من التوسّع الإقليمي والعدوان المنهجي خارج حدود فلسطين التاريخية، في مسار لا يمكن فصله عن تحوّل عميق في بنيتها الاقتصادية والسياسية.
وأبرز موقع Mondoweiss الإخباري أن التصعيد الإسرائيلي المتواصل في الأردن ولبنان وسوريا واليمن وإيران، وتمدّده إلى قطر وصولًا إلى أرض الصومال، لا يعكس تبدّلًا مفاجئًا في العقيدة الصهيونية، بل يشير إلى إزالة القيود التي كانت تكبح هذا الطموح قبل حرب غزة، وإلى صعود “اقتصاد حرب” بات يشكّل العمود الفقري لبقاء الدولة ومشروعها الإقليمي.
وبحسب الموقع فإن هذا التحوّل ليس أيديولوجيًا بقدر ما هو هيكلي حيث دولة الاحتلال التي واجهت خلال العامين الماضيين عزلة دولية متزايدة وانكماشًا حادًا في قطاعاتها المدنية، أعادت تنظيم اقتصادها حول الصناعة العسكرية.
ومع انهيار أو تراجع الزراعة، السياحة، والاستثمار المدني، بقيت صادرات السلاح تقريبًا القطاع الوحيد القادر على تحقيق نمو وتدفق عملات أجنبية، ما خلق حافزًا بنيويًا لبقاء الدولة في حالة حرب دائمة.
“إسبرطة فائقة” واقتصاد بلا بدائل
عبّر رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو بوضوح عن هذا التوجّه عندما دعا إلى تحويل دولة الاحتلال إلى “إسبرطة فائقة”، أي دولة محاربة مكتفية ذاتيًا عسكريًا، قادرة على تجاوز الضغوط الدولية وحظر السلاح.
وجاء الإعلان الأخطر في يناير/كانون الثاني 2026، حين كشف نتنياهو نيته إنهاء المساعدات العسكرية الأميركية خلال نحو عقد، معتبرًا ذلك خطوة نحو “الاستقلال الاستراتيجي”.
ويعني هذا القرار عمليًا أن دولة الاحتلال ستحتاج لتعويض نحو 3.8 مليارات دولار سنويًا من الدعم الأميركي عبر مضاعفة إنتاجها العسكري وزيادة صادرات السلاح.
ولهذا رصدت الحكومة الإسرائيلية ما يقارب 350 مليار شيكل على مدى عشر سنوات لتوسيع قاعدة التصنيع العسكري، ما يحوّل صناعة السلاح إلى القلب النابض للاقتصاد طويل الأمد، على حساب القطاعات المدنية، ويعمّق اندماج إسرائيل في سلاسل التوريد الأمنية العالمية رغم عزلتها السياسية المتصاعدة.
أرقام تكشف منطق الحرب الدائمة
منذ 2023، شكّلت الصادرات العسكرية صمام الأمان للاقتصاد الإسرائيلي. فقد بلغت قيمتها نحو 13 مليار دولار في 2023، ثم ارتفعت إلى ما بين 14.7 و15 مليارًا في 2024، مع توقعات بتجاوز هذه الأرقام في 2025 بعد توقيع صفقات كبرى مع الولايات المتحدة، والإمارات، وألمانيا، واليونان، وأذربيجان.
في المقابل، شهدت القطاعات المدنية ركودًا، ونقصًا حادًا في العمالة بسبب التعبئة العسكرية الطويلة، وإفلاسات واسعة للشركات الصغيرة والمتوسطة.
بهذا المعنى، لم يعد اقتصاد الحرب ظرفًا استثنائيًا، بل أصبح المبدأ المنظّم لبقاء النظام السياسي. فالحرب توفّر الطلب، وتحمي الحكومة من المساءلة الداخلية، وتعيد صياغة الوعي العام على قاعدة أن القوة هي العملة الأساسية في العلاقات الدولية.
انهيار القانون الدولي وتحرّر العدوان
على الصعيد الدولي، استفادت تل أبيب من تفكك منظومة الضبط العالمية. فقد أثبتت التجربة أن لا خطوط حمراء فعلية عندما يُقدَّم العنف بوصفه “دفاعًا عن النفس” أو “مكافحة للإرهاب”.
وقد أثارت حرب الإبادة في غزة ضجيجًا دبلوماسيًا، لكنها لم تُنتج عقوبات رادعة، ما شجّع تل أبيب على توسيع حساباتها: إذا كان ثمن غزة محدودًا، فإن لبنان أو سوريا أو حتى العراق أقل كلفة.
كما أسهم انهيار مسار التطبيع مع السعودية – الذي توقّف بعد حرب غزة – في “تحرير” السلوك الإسرائيلي.
فبعد أن كان الاعتراف السعودي ورقة ضغط لضبط التوسع، انتقلت دولة الاحتلال إلى فرض الوقائع بالقوة، وبناء علاقات أمنية ثنائية مع أطراف أضعف، واستبدال القوة الناعمة المتآكلة بتوسّع صلب يُنتزع لا يُفاوض عليه.
خرائط جديدة بالقوة
ما يميّز مرحلة ما بعد 2023 هو تعدّد الجبهات وعلنية العدوان. لم تعد إسرائيل تسعى إلى احتواء الصراعات، بل إلى إعادة رسم الخرائط. في فلسطين، يتجلّى الهدف في إنهاء القضية عبر الطرد، والكانتونات، والضم الزاحف.
إقليميًا، تتنوّع الأهداف بين احتلال فعلي أو غير مباشر، وتفكيك الدول، وتحويلها إلى كيانات ضعيفة قابلة للإخضاع.
في إيران، يجري السعي لإضعاف النظام عبر ضربات عسكرية وضغوط داخلية، مع بقاء التصعيد ضمن حدود الردع المتبادل. في لبنان، الهدف ليس فقط تحييد حزب الله، بل تفكيك البنية السياسية للبلاد ودفعها نحو نموذج أقليات هش.
وفي سوريا، بعد سقوط نظام الأسد، تعمل دولة الاحتلال على منع إعادة توحيد الدولة عبر الضربات، ودعم تفتيت السلطة، وفرض واقع “نزع السلاح” جنوب دمشق، بما يشكّل تقسيمًا فعليًا للأرض السورية.
أما في اليمن، فقد تحوّل من ساحة هامشية إلى تهديد استراتيجي بفعل قدرته على تعطيل الملاحة في البحر الأحمر، ما دفع إسرائيل للتعامل معه كجزء من معركة حماية النظام البحري الغربي.
ويتقاطع ذلك مع تمدّد دولة الاحتلال في أرض الصومال، حيث يجري الحديث عن قواعد عسكرية وصفقات مشبوهة تتجاوز الدول المعترف بها دوليًا.
كلفة التوسّع واحتمالات الانفجار
رغم تصوير هذا المسار كـ”انتصار”، فإن كلفته طويلة الأمد باهظة. فالحرب الدائمة تستنزف المجتمع والاقتصاد، وتوسّع رقعة المواجهة، وتزيد احتمالات الرد غير المتكافئ.
كما أن الانتشار العسكري البعيد، المعتمد على قواعد ووكلاء، يعرّض دولة الاحتلال لخطوط إمداد هشّة وصراعات غير متوقعة.
ويخلص الموقع إلى أن ما نشهده ليس مجرد سياسة عدوانية، بل تحوّل كامل لدولة جعلت من الحرب اقتصادًا، ومن التوسّع ضرورة بنيوية وهو مسار يحمل في طيّاته مخاطر انفجار إقليمي واسع، ويضع المنطقة بأكملها أمام حقبة شديدة الخطورة، عنوانها هيمنة بالقوة، بلا سقف ولا ضوابط.
لقراءة نص التقرير كاملا في موقع Mondoweiss أضغط هنا
