يواجه قطاع غزة خطرًا متصاعدًا بالتحول من ساحة حرب إلى نموذج مكتمل للتهجير القسري طويل الأمد، تحت غطاء سياسي وإنساني يحمل اسم “مجلس السلام”، الهيئة التي تقودها الولايات المتحدة بزعامة الرئيس دونالد ترامب، ويُروَّج لها باعتبارها إطارًا لإدارة غزة وإعادة إعمارها بعد الحرب.
وأبرز موقع "ذا إنترسبت" الأمريكي، إعلان تشكيل “مجلس السلام” جاء بمشاركة شخصيات سياسية واقتصادية بارزة، من بينها توني بلير، وماركو روبيو، ورئيس البنك الدولي أجاي بانغا، إلى جانب ممولين كبار مثل مارك روان، الرئيس التنفيذي لشركة “أبولو غلوبال مانجمنت”.
وأشار إلى إعلان دول عدة، بينها الإمارات والمغرب وكندا وفيتنام، استعدادها للمشاركة في أنشطة المجلس.
غير أن هذا الإعلان، الذي حظي بتغطية واسعة في الصحافة الغربية، تجاهل حقيقة جوهرية: المجلس لم يكن ثمرة تسوية سياسية أو مفاوضات متوازنة، بل جاء في سياق فرض وقائع جديدة على الأرض في غزة.
اتفاق وقف إطلاق النار في غزة
مؤخرا أعلن المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف أ الانتقال إلى “المرحلة الثانية” من اتفاق وقف إطلاق النار، رغم عدم تنفيذ التزامات المرحلة الأولى، وفي مقدمتها إدخال المساعدات الإنسانية بشكل كامل، ووقف الهجمات الإسرائيلية، وتوفير الحد الأدنى من الإغاثة والسكن للنازحين.
بالتوازي، جرى الإعلان عن مجلس تكنوقراطي “غير سياسي” لإدارة غزة من الداخل، في وقت لم يتحقق فيه أي تحسن ملموس في الواقع الإنساني، ولم تُقدَّم أي ضمانات للفلسطينيين بشأن عودتهم إلى مناطقهم المدمّرة.
وقد تجاوزت التحركات الأمريكية–الإسرائيلية فعليًا منطق وقف إطلاق النار. فبعد اجتماع جمع ترامب برئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، مُنح الضوء الأخضر لبدء إعادة إعمار رفح، بمعزل عن انسحاب جيش الاحتلال أو نشر قوة استقرار دولية.
ووفق التوجيهات المعلنة، ستُنفذ مشاريع “الإعمار” في مناطق محددة خلف ما يُعرف بـ“الخط الأصفر”، وهي مناطق تخضع لسيطرة الجيش الإسرائيلي، بينما يُحظر البناء في مناطق أخرى بذريعة استمرار وجود المقاومة.
فرض تقسيم غزة
أكد الموقع أن فرض التقسيم الجغرافي في قطاع غزة ليس إجراءً تقنيًا، بل آلية إعادة هندسة سكانية. فمناطق واسعة من غزة، خصوصًا رفح وشرق القطاع وشماله، سُوِّيت بالأرض عمدًا خلال الحرب، ثم أُعلنت مناطق عازلة أو مناطق عمليات عسكرية، ما حال دون عودة سكانها.
والآن، يُعاد طرح هذه المناطق كمشاريع استثمارية وعقارية، ضمن رؤية يقودها مطورو عقارات سابقون مثل ويتكوف وجاريد كوشنر.
وقد اقترن الخطاب الأمريكي–الإسرائيلي حول “إعادة إعمار غزة” منذ البداية بلغة الاستثمار.
ترامب نفسه تحدث عن “ريفييرا غزة” و”مدينة مثيرة”، في مقاربة تتعامل مع القطاع كأرض خالية قابلة لإعادة التطوير، لا كمكان يعيش فيه أكثر من مليوني إنسان. هذا المنطق يتجسد في ما كشفته تقارير عن “مشروع شروق الشمس”، الذي يهدف إلى إعادة بناء غزة بالكامل خلال عشر سنوات، وتحويل مدنها إلى “مدن ذكية” ومراكز بيانات ومناطق سياحية، بشرط أساسي: نزع سلاح المقاومة بشكل كامل.
والشرط الأمني يمثل مفتاحا للتهجير. فبحسب الخطة، فإن هدم “البنية التحتية تحت الأرض” يستلزم تدمير كل ما فوقها، أي تبرير الإبادة العمرانية الشاملة. رفح، التي كانت تضم أكثر من 170 ألف نسمة قبل الحرب، يُعاد تصورها الآن كمدينة تتسع لأكثر من نصف مليون شخص، لكن ليس بالضرورة من سكانها الأصليين، بل ضمن نموذج سكني خاضع للرقابة العسكرية وميليشيات محلية مرتبطة بالاحتلال.
وعلى الأرض، الواقع يناقض الصور الوردية التي تُسوَّق. المناطق الواقعة خلف الخط الأصفر شبه خالية من السكان الفلسطينيين، وتحولت إلى مناطق قتل مغلقة.
والفلسطينيون المسموح لهم بالبقاء هم عناصر ميليشيات محلية تعمل بإشراف الجيش الإسرائيلي، بينما يُمنع المدنيون من العودة، أو يُدفعون نحو خيار “الهجرة الطوعية” إلى خارج القطاع.
في موازاة ذلك، تتوسع السيطرة الإسرائيلية الفعلية. تصريحات وزير الجيش الإسرائيلي يسرائيل كاتس حول عدم مغادرة غزة، وإمكانية إقامة مواقع “ناحال” في شمال القطاع، تكشف النية الحقيقية: إعادة إنتاج الاستيطان بصيغة جديدة.
كما أن توسيع الخط الأصفر والاستيلاء على مزيد من الأراضي، ومنع عمل منظمات الإغاثة، وتقييد المساعدات، كلها خطوات عملية لفرض واقع تهجير مستدام.
وخطر التهجير القسري في غزة لم يعد احتمالًا نظريًا، بل مسارًا يتشكل عبر أدوات سياسية واقتصادية وأمنية، تُغلَّف بخطاب “السلام” و”إعادة الإعمار”.
في هذا السياق، لا يبدو “مجلس السلام” إطارًا لإنهاء الحرب، بل آلية لإدارتها بنتائج ديموغرافية دائمة: تفريغ الأرض، وإعادة توزيع السكان، وتحويل المأساة الإنسانية إلى فرصة استثمارية، على حساب الوجود الفلسطيني نفسه.
لقراءة نص التقرير كاملا في موقع "ذا إنترسبت" أضغط هنا
