نكبة متجددة يعيشها النازحون من مخيمات شمال الضفة الغربية، منذ أن أجبرتهم "إسرائيل" على مغادرتها قسرًا قبل نحو عام، فتقطعت بهم السبل، وتشتت شملهم بين مراكز الإيواء أو الخيام وبيوت الصفيح.
ومع قرار الاحتلال تمديد عدوانه في المخيمات الثلاثة؛ طولكرم ونور شمس وجنين، تتضاءل الآمال لدى النازحين بالعودة لمنازلهم، وتتفاقم، وسط ذلك، قسوة النزوح مع افتقاد مقومات الحياة الكريمة.
وفي يناير/ كانون الثاني 2025، بدأت قوات الاحتلال الإسرائيلي عدوانًا واسعًا ومتواصلًا على مدينة ومخيم طولكرم، أعقبه توسيع العدوان ليشمل مخيم نور شمس شرقي المدينة، بعد أيام فقط من شروعه بالعدوان على مخيم جنين.
وأدى العدوان المتواصل إلى تهجير قسري لأكثر من 5 آلاف عائلة من مخيمي طولكرم ونور شمس، أي ما يزيد على 25 ألف مواطن، وتدمير أكثر من 1440 منزلًا تدميرًا كليًا، و2573 منزلًا تضررت جزئيًا.
ومطلع فبراير/ شباط الجاري، أصدر جيش الاحتلال الإسرائيلي أمرًا عسكريًا يقضي بتمديد إغلاق وحصار المخيمات الثلاثة، في إطار استمرار عملياته العسكرية المشددة.
ووفق الوثيقة؛ وقّع قائد جيش الاحتلال في الضفة الغربية، اللواء آفي بلوط، أمرًا عسكريًا بتمديد تقييد الحركة والمرور في مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، على أن يسري القرار اعتبارًا من 30 كانون الثاني/يناير 2026 وحتى 31 آذار/مارس 2026.
ونصّ الأمر العسكري على منع أي شخص من الدخول أو الخروج من المناطق المطوّقة في المخيمات المذكورة، إلا بموجب تصريح خاص.
إعدام بطيء
ويعتبر وصفي غنيم، أحد سكان مخيم نور شمس، أن القرار بمثابة إعدام بطيء للنازحين، في ظل الحياة الصعبة التي يعايشونها منذ بدء العدوان، مطلع يناير/ كانون الثاني 2025.
وأُجبر غنيم على مغادرة المخيم بعد نحو شهر من العدوان الإسرائيلي، ويعيش مع عائلته حياة قاسية في أحد مراكز الإيواء.
ويشير غنيم، في حديثه لـ "وكالة سند للأنباء"، إلى أن تهجير سكان مخيمي طولكرم ونور شمس ترك آثارًا نفسية واجتماعية واقتصادية قاسية، وحرَم آلاف العائلات من مصادر رزقها.
ويعتبر ما يحدث بأنه "نكبة ثانية"، داعيًا الجهات المسؤولة ومنظمات حقوق الإنسان إلى الضغط لعودة النازحين.
ويؤكد غنيم أن مخيم نور شمس تعرّض لدمار هائل، وانقطاع المياه والكهرباء والاتصالات، فيما تعمّد الاحتلال تخريب المنازل وفتح نيران رشاشاته عليها، لإحالتها إلى أماكن غير صالحة للسكن، وقطع أمل العودة لأصحابها.
إعلان حرب
بدوره، يرى رئيس اللجنة الشعبية لخدمات مخيم طولكرم، فيصل سلامة، أن قرار تمديد العدوان الإسرائيلي هو بمثابة إعلان حرب، في ظل الظروف القاسية التي يواجهها النازحون.
ويشير سلامة، إلى أن النازحين لا يمكنهم البقاء على هذه الحال أكثر من المدة التي عاشوها؛ فمنهم من يسكن في مراكز الإيواء، ومنهم من يقيم عند الأقارب، ومنهم من اضطر لاستئجار شقة، ولكن ترتبت عليه مستحقات مالية باهظة، عدا عن إشكاليات التعليم والصحة.
ويضيف لـ "وكالة سند للأنباء"، أن الأزمة ازدادت تعقيدًا، كون العدوان تزامن مع تقليص الخدمات التي تقدمها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين "أونروا"، وفقدان المئات من ذوي الأمراض المزمنة الأدوية والعلاجات والفحوصات اللازمة.
وينبّه إلى قرار الوكالة الأممية تقليص الخدمات التعليمية، لا سيما وقف نقل الطلبة إلى مدارسهم بحجة العجز المالي.
ويتابع: كنا نتمنى نهاية العملية العسكرية، وعودة الناس للعيش في المخيمات، ولكن استمرار إبعادهم عن بيوتهم، ورفع علم الاحتلال فوقها، هي رسالة باستمرار العدوان، ونحمّل المجتمع الدولي ومؤسسات حقوق الإنسان الصامتة مسؤولية ذلك، وعليها التدخل للجم الاحتلال ووقف سياساته.
ويوضح سلامة أن الاحتلال لم يترك النازحين وشأنهم، بل لاحقهم في مراكز النزوح، بمداهمات واعتقالات وتهديدات لا تتوقف.
ويبيّن أن الاحتلال دمّر البنية التحتية للمخيمات في طولكرم ونور شمس وجنين، وسوّى مئات المباني بالأرض، مستهدفًا المؤسسات التعليمية والصحية والإغاثية.
استهداف الإنسان والمكان
من جهته، يرى عضو لجنة طوارئ مخيم نور شمس، سليمان الزهيري، أن لقرار تمديد العدوان آثارًا سلبية على حياة أكثر من 40 ألف نازح من المخيمات الثلاثة، الذين يعيشون حياة مأساوية قاسية.
ويوضح، في حديثه لـ "وكالة سند للأنباء"، أن قرار التمديد الجديد جاء ليثبت من جديد أن ما يجري في مخيماتنا ليس عملية عسكرية ولا إجراءً أمنيًا، بل هو توجه عدواني منظم يستهدف الإنسان والمكان معًا.
ويردف: "لم يكتفِ الاحتلال بهدم المنازل والمنشآت التجارية، بل دمّر حياة الناس داخلها؛ هُدمت البيوت بما تحمله من مقتنيات شخصية وصور وذكريات وأحلام بسيطة، في محاولة واضحة لكسر إرادة السكان وسلبهم آخر ما تبقى لهم من شعور بالأمان والاستقرار".
ويلفت الزهيري إلى أنه جرى تخريب الشوارع وشبكات المياه والكهرباء، واستهداف المدارس والمرافق العامة، في اعتداء مباشر على مقومات الحياة اليومية، واصفًا ما يحدث بأنه تفريغ ممنهج للمخيمات من سكانها ومعالمها، ومحاولة لمحو دورها ورمزيتها الوطنية.
