لم يعد أذان المغرب في غزة يعني اكتمال المائدة ولا اجتماع الوجوه حول طبق واحد، لبعضهم صار الأذان جرسًا يوقظ الذاكرة قبل أن يعلن الإفطار.
هنا، يجلس الناجي الوحيد من عائلته أمام صحن لا يتسع لغيره، فيما تتسع ذاكرته لبيت كامل كان عامرًا بالأب والأم والإخوة.
يفطر على ألمٍ بارد، لا يخففه ماء ولا تمر؛ يمد يده إلى الطعام، فتسبقه الصور: مقاعد كانت ممتلئة، ضحكات كانت تتعالى قبل الدعاء، وأصوات كانت تتسابق لتقول "اللهم لك صمنا".
اليوم، لا يسمع سوى صدى صوته في بيتٍ أصبح أوسع من احتماله.
في غزة، حيث لم تكتفِ الحرب بانتزاع الأرواح، بل سرقت طقوس الحياة نفسها، يتحول الإفطار إلى مواجهة يومية مع الفقد.
الناجي الوحيد لا يخشى الجوع، بل يخشى لحظة الصمت التي تسبق أول لقمة؛ حين يدرك أن لا أحد سيشاركه الدعاء، ولا أحد سيطلب منه أن ينتظر حتى يجتمع الجميع.
هكذا يفطر من فقدوا أحبابهم في غزة، بين لقمةٍ وذكرى، وبين دعاءٍ ودمعة، حاملين في قلوبهم مائدةً كاملة لا تغيب، وإن غاب أصحابها.
أسامة وحيدا
لم يكن شهر رمضان يمرّ مرورًا عاديًا في بيت عائلة أسامة شرف؛ كان يبدأ قبل قدومه بأسابيع؛ كأنهم يستقبلون ضيفًا عزيزًا لا يجوز أن يفوتهم الاستعداد له.
الأب يتصل بابنه المتزوج باكرًا: "يا أسامة، ماذا فعلت في بيتك؟ هل اشتريت الزينة؟ هل علّقت الفوانيس؟"
والأم لا تكتفي بالاطمئنان، بل توصي وتراجع وتبتسم عبر الهاتف وكأنها ترى تفاصيل البيت أمامها.
كان أسامة يطمئن والده بابتسامة يسمعها عبر السماعة: "لا تقلق يا أبي، البيت أصبح مضيئًا بالكامل".
ثم يحين الموعد الأجمل؛ حين يأتي مع زوجته وأطفاله الثلاثة إلى بيت العائلة؛ هناك، لا يكون ضيفًا، بل طفلًا عاد إلى دفء حضنه الأول.
يمسك الخيوط المضيئة، يساعد أخواته الثلاث، يثبت الفانوس فوق المدخل، ويترك لأمه مهمة "التفتيش النهائي" كما كانت تسميها.
كانت الأخوات يتقاسمن الأدوار؛ واحدة تُزيّن الطاولة، وأخرى تُحضّر أطباق رمضان الأولى، وثالثة تنشغل بترتيب ركن الصلاة.
حتى دعاء، الشقيقة المتزوجة، كانت تأتي مبكرًا لتشاركهم بهجة الاستقبال.
بيتٌ دافئ، تتوزع فيه الضحكات كما تتوزع المهام، ويغمره شعور بأن العائلة إذا اجتمعت، صار كل شيء ممكنًا.
في اليوم الأول من الشهر، لم يكن الإفطار مجرد وجبة؛ بل كان طقسًا مقدسًا؛ إذ يقول"
تبدأ المائدة بالملوخية، كما اعتادوا، ليكون الشهر (أخضر) على العائلة، كما يقول الأب ضاحكًا.
ثم يجتمع الأعمام، تمتلئ الغرفة بالأصوات، وبعد صلاة العشاء تبدأ جلسة الحلويات والقطايف، ويتحول البيت إلى مهرجان صغير من الألفة.
يقول أسامة بصوت يخنقه الصمت: "منذ الخامس والعشرين من أكتوبر 2023، لم يعد لرمضان شكل؛ في ذلك اليوم، رحلت عائلته كاملة في مجزرة مروّعة ارتكبها الاحتلال في منطقة التاج بمدينة اليرموك وسط غزة.
سبعة وثلاثون شهيدًا ارتقوا دفعة واحدة؛ لم ينجُ أحد من البيت الذي كان يمتلئ بالضوء؛ لا الأب الذي كان يسأل عن الزينة، ولا الأم التي كانت تُعدّ التفاصيل، ولا الأخوات اللواتي كنّ يتنافسن على ترتيب الطاولة.
قبل يوم واحد فقط من المجزرة، خرج أسامة ليُوصل زوجته إلى منزل والدها؛
فارقهم ساعات قليلة فقط؛ يقول: "لو بقيت هناك… لما بقي أحد من عائلتي يحمل اسم شرف."
تفصله عن الموت ساعات، وتفصله عن أهله حياة كاملة.
حين وصله الخبر، لم يبكِ فورًا، ويقول إن الصدمة كانت أكبر من الدموع؛ مضيفا "كان يومًا دامياً في قلبي(..) مسح كل شيء من ذاكرتي وعقلي وروحي؛ شعرت أنني أُسحب من داخلي، كأن أحدهم اقتلع جذوري دفعة واحدة."
يضيف: "لم يعد البيت بيتًا، ولا الشارع شارعًا، ولا المدينة مدينة؛ صار كل شيء بلا ملامح".
قضى رمضان الأول بعد المجزرة في النزوح، بين أصوات القصف ورائحة الغبار.
لم يمنحه الخوف فرصة للبكاء؛ إذ كان مشغولًا بحماية زوجته وأطفاله الثلاثة؛ أولئك الذين كانوا مدلّلين عند جدّهم وجدّتهم، والذين كانوا ينتظرون زياراتهم بشغف كل مساء.
يتابع أسامة: "حين يأتي رمضان، يعلّق زينة صغيرة لأجل أطفاله، لكنه يتجنب النظر طويلًا إليها؛ فصوت الملوخية حين تغلي يعيد إليه صورة أمه وهي تقول: "ليكن شهرنا أخضرا".
رائحة القطايف تفتح في قلبه نافذة على ضحكات أخواته؛ حتى أذان المغرب صار يحمل له غصّة، لأنه لم يعد يعني اجتماعًا كاملًا حول الطاولة.
يقول أسامة إن أكثر ما يؤلمه ليس الغياب، بل الصمت الذي حلّ مكان الضجيج؛ البيت الذي كان يتّسع للجميع، صار ضيقًا رغم اتساعه.
الصور على الجدران تراقبه، والذكريات تتسلل إليه بلا استئذان؛ يتابع: "
أطفالي يسألونه أحيانًا؛ لماذا لا نذهب لبيت جدي؛ فأبتسم ابتسامة ثقيلة، وأخبرهم بأنهم بمكان أجمل".
رمضان الذي كان شهر الفرح، صار شهر اختبار للصبر، وأسامة، الناجي الوحيد، يحمل في قلبه بيتًا كاملًا لا يزال مضاءً، رغم كل العتمة.
عائلة مسحت!
زياد المقيد الصحفي في قناة الأقصى؛ بينما كان يغطي أنباء الحرب في 17 أكتوبر 2023، تلقى نبأ فقدانه لعائلته بعد أن قصف الاحتلال منزله في دير البلح، وفقد زوجته وابنته وولديه وحماته وحماه، ولم يتبق له سوى ابن واحد، كان خارج المنزل، بالصدفة، في لحظة القصف.
بين اتصالٍ عاجلٍ وصوتٍ متقطع، جاءه النبأ كرصاصة لا تُرى، قصف الاحتلال منزله، وفي لحظة واحدة، أصبح البيت الذي كان يمتلئ بالحياة حفرةً في الذاكرة.
عاد زياد من أمام الكاميرا إلى واقعٍ لا يحتمل البثّ المباشر؛ هذه المرة لم يكن بحاجة إلى ميكروفون ليصرخ، ولم يكن ثمة جمهور ينتظر تقريرًا؛ كان هناك أبٌ يبحث في الركام عن أسماء أحبّته، وصحفيٌ يحاول أن يفهم كيف يصبح الخبر شخصيًا إلى هذا الحد.
يحلّ، ثقيلًا كصخرة على صدره، في اليوم الأول، جلس زياد أمام مائدةٍ لم يبقَ عليها سوى مقعدين.
محمد جاءه بطبقٍ من الأرز، طهته جدته قبل أن ترحل؛ آخر ما بقي من دفء يدها، آخر أثرٍ لامرأةٍ كانت تقول له كل مساء: “انتبه لنفسك يا بني.”
وضع محمد الطبق أمام والده بصمت؛ وحاول أن يبدو قويًا، أن يتصرّف كرجلٍ صغير يعرف أن أباه مكسور؛ وأما زياد، فكان ينظر إلى ابنه كما لو أنه النافذة الوحيدة التي بقيت مفتوحة في هذا العالم.
حين صدح أذان المغرب، لم يرفعا أيديهما طويلًا بالدعاء؛ كانت الكلمات تختنق في الحناجر.
تبادلا نظرةً سريعة، كأن كلًّا منهما يقول للآخر: “لا تبكِ الآن.”
أخفيا دموعهما كما يُخفى الجرح تحت الثياب، وتناولا لقمتين بصعوبة، وكل لقمةٍ كانت تمرّ على صورٍ لا تغيب: صوت ابنته وهي تضحك، حركة يدي زوجته وهي ترتّب السفرة، جداله الخفيف مع ولديه على مكان الجلوس، دعاء الحماة، وابتسامة الحمو وهو ينتظر الأذان.
وفي كل إفطار، يجلس مع محمد، يتبادلان القوة كما يتبادلان الخبز؛ وأبٌ فقد عائلته كلها، وابنٌ فقد أمه وإخوته وأجداده في لحظةٍ واحدة؛ ويتظاهر كلاهما بالتماسك، لكنهما يعرفان أن بينهما دمعةً مؤجلة، لا بد أن تسقط يومًا ما.
رمضان عند زياد لم يعد شهر الطمأنينة، بل شهر استحضار الغياب، ومع ذلك، يصرّ أن يبقى واقفًا؛ لأجل محمد، ولأجل أولئك الذين صاروا في السماء، ينتظرون أن يظل اسمهما حيًّا على الأرض.
