ستدخل معايير إسرائيلية جديدة لتنظيم عمل المساعدات الإنسانية في قطاع غزة حيّز التنفيذ اعتبارًا من الأول من مارس المقبل، في خطوة وُصفت على نطاق واسع بأنها تعيد رسم قواعد الإغاثة في واحدة من أكثر مناطق العالم تضررًا وعزلة.
وأبرزت صحيفة التلغراف البريطانية أن القواعد الإسرائيلية تُنذر بتقليص حاد لعمليات المؤسسات الخيرية الدولية والمنظمات غير الحكومية، مع ما يحمله ذلك من تداعيات مباشرة على ملايين الفلسطينيين الذين يعتمدون على المساعدات للبقاء.
وبموجب النظام الجديد، اشترطت سلطات الاحتلال على عشرات منظمات الإغاثة الدولية “التسجيل” المسبق، وتسليم بيانات شخصية مفصلة عن جميع موظفيها، كشرط لعبور الأفراد والإمدادات عبر حدود غزة الخاضعة لسيطرة إسرائيل الكاملة.
ولن يُسمح لأي جهة غير مسجلة بإدخال مساعدات أو طواقم دولية إلى القطاع.
وأعلنت نحو 37 منظمة إنسانية كبرى من بينها أوكسفام وأطباء بلا حدود وأنقذوا الأطفال، عجزها عن الامتثال لهذه المتطلبات، معتبرةً أن تسليم البيانات يعرّض موظفيها للخطر، وينتهك معايير حماية الخصوصية، ويخالف المبادئ الإنسانية الأساسية.
وأكدت هذه المنظمات أنها ستضطر إلى وقف إدخال الإمدادات والكوادر الدولية إلى غزة مع نهاية الشهر، مع الاستمرار—قدر الإمكان—بالعمل عبر طواقمها الفلسطينية المحلية التي لا تعبر الحدود.
وقف خدمات أساسية
من المتوقع أن تؤدي القواعد الجديدة إلى وقف فوري لخدمات حيوية تشمل علاج الصدمات النفسية، وبرامج سوء التغذية، ورعاية الأطفال، مع تأثر مئات عمال الإغاثة الدوليين.
ووصف مجلس خبراء تابع للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين هذه المتطلبات بأنها “انتهاك صارخ للقانون”، من شأنه أن “يجعل الحياة لا تُطاق لسكان دمّرتهم بالفعل الإبادة الجماعية”.
وقالت بشرى خالدي، مسؤولة السياسات في أوكسفام بالأراضي الفلسطينية المحتلة، إن ما يجري “تفكيك متعمّد للبنية التحتية الإنسانية في غزة”، محذّرة من استبدال الجهات الإنسانية ذات المبادئ بكيانات تفتقر إلى ولايات واضحة، “بما في ذلك شركات مقاولات عسكرية خاصة”.
وفي محاولة لملء الفراغ الناتج عن تراجع المنظمات الدولية، وافقت سلطات الاحتلال على إدخال عشرات المجموعات الجديدة، كثير منها مرتبط بتيارات إنجيلية، وتفتقر إلى الخبرة في بيئات النزاع.
وأفادت تقارير بأن بعض هذه الجهات على صلة بمؤسسة “غزة الإنسانية” المدعومة أميركيًا وإسرائيليًا، والتي أدارت سابقًا مواقع توزيع اتسمت بالفوضى وإطلاق النار وسقوط ضحايا جماعية، وأسفرت عن قتل أكثر من 1400 فلسطيني العام الماضي.
ويتزامن هذا التحول مع دخول خطة السلام الهشّة التي يقودها دونالد ترامب مرحلتها الثانية، ومع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية.
خطر تعميق انهيار النظام الصحي
على الرغم من أن الجزء الأكبر من المساعدات يمر عبر وكالات أممية مثل اليونيسف وبرنامج الأغذية العالمي ومنظمة الصحة العالمية، فإن المنظمات غير الحكومية تلعب دورًا حاسمًا على مستوى الأسر والمجتمع، بما تمتلكه من ثقة محلية وقدرة على الوصول المباشر.
تحذّر أطباء بلا حدود من أن غياب الكوادر الدولية سيقلّص عدد الشهود على الهجمات التي استهدفت مستشفيات وسيارات إسعاف وعمال إغاثة—استشهد منهم أكثر من 200 خلال السنوات القليلة الماضية—في نزاع تكاد فيه المساءلة أن تكون معدومة.
كما نبّه خبراء إلى أن إخراج هذه المنظمات سيعمّق انهيار النظام الصحي المنهك أصلًا، في وقت لا يعمل فيه سوى نحو نصف مستشفيات القطاع، بينما ينتظر أكثر من 18,500 مريض إجلاءً طبيًا عاجلًا إلى الخارج.
وروجت دولة الاحتلال لاتهام المنظمات الرافضة للتسجيل بامتلاك “مصالح خفية”، غير أن الوقائع على الأرض تشير إلى أن هذه المعايير تحوّلت إلى أداة خنق ممنهجة للعمل الإنساني، تُقلّص الشهود، وتُفرغ الإغاثة من مضمونها، وتدفع ثمنها أفقر الفئات في غزة—أطفالًا ومرضى ونازحين—في لحظة إنسانية هي الأشد قسوة منذ عقود.
لقراءة نص التقرير كاملا في صحيفة التلغراف أضغط هنا
