بالصور "فلسطين داري".. باب العبور إلى طعام الجدات

حجم الخط
1.jpg
واشنطن/ عمّان/ غزة – وكالة سند للأنباء

يا لها من لحظاتٍ هانئة وشهيّة.. حين تُوقظك صباحًا رائحة مناقيش الزعتر المتطايرة في أرجاء المنزل مع شرائح البندورة بصُحبة كوبٍ من الشاي الساخن بالنعناع، أو أن تبدأ صباحك بفطورٍ شعبي يتربع على عرشه  طبق الحمص والفول وأقراص الفلافل، مع خبز الطابون الساخن!

يا لها من لحظاتٍ خُرافية.. حين تتسلل رائحة الكعك المقدسي إليك في صباحٍ مشبّع بالحنين إلى الديار! فتتذوق مع كل قضمة نَكهة القدس وبركتها، آهِ من نَفس الجدات الطيّب في مذاق العكّوب الشهيّ.

يا لذّة مقلوبة الباذنجان والزهرة، التي تدفعك للتساؤل، لمِ لم يكتب العرب حتى اللحظة في حبّها أبياتًا من الشعر! وطعم الهندبة بـ "الطحينة واللبن" تتشرب زيت الزيتون الساحر مخمليّ اللون، مع مخلل الخيار وحبّات الزيتون أخضرها وأسمرها!

3.jpg
 

أما عن زبدية "الدقة الغزاوية" التي يكون فيها الفلفل الحار عنصرًا رئيسيًا، إلى جانب البندورة، وعين الجرادة، والبصل، والملح، وعصير الليمون، فهي _على بساطتها _ أكلة تستدعي عصافير معدتك للزقزقة.

ويا لدفء اللحظات في مساءٍ شتوي بارد، حين ترتشف شراب القرفة المُزين بحبّات اللوز المحمصة، ومذاق القشطة بنكهة ماء الورد والفستق الحلبي، محشوّة بورباتٍ "شعيبات" مرقمشة مغمورة بالقَطِر، بصحبة فنجان قهوة!

5.jpg
 

هذه المأكولات وغيرها من المطبخ الفلسطيني، تُشعرك بسُر إلهي، فأطباقه سريعة إلى القلوب لا إلى المعدة فحسب، كما يُقال، ربما لأنها بمدولاتها تُعيد المرء إلى تراث الماضي، والحكاية الفلسطينية التي لم تنتهِ وإلى القول القديم "باقون ما بقي الزعتر والزيتون".

قبل شهرين أُطلقت حملة إلكترونية بعنوان "فلسطين داري" عبر منصبة كوكباد العربية وإنستغرام، تتحدث باللغة العربية، ووُثقت الكثير من المأكولات والمشروبات الفلسطينية التراثية، بأسلوبٍ جميل يقصّ جزءًا من صرِاع يخوضه المطبخ الفلسطيني لأجل البقاء.

14.jpg
 

صاحبتا الفكرة

نادية طمليه، وسوسن أبو فرحة، فلسطينيتان جمعتهما صداقة على مواقع التواصل الاجتماعي، وقربهما "المطبخ الفلسطيني، بروائح أطباقه المعبقة بنَفس الجدات الطيّب"، ليتفقا فيما بعد على فكرة توثيق الأكلات الشعبية الفلسطينية، ضمن حملةٍ إعلامية واسعة بعنوان "فلسطين داري".

وفي لقاءٍ شهيّ جَمعت "وكالة سند للأنباء" صاحبتا الفكرة، من ولاية واشنطن الأمريكية، والعاصمة الأردنية عمّان، لنكون برفقتهما في هذا التقرير برحلة إلى أرفف المطبخ الفلسطيني وسِحر أطباقه. 

76688892_535715323933556_6191501876115013632_n.jpg
 

"نادية" .. مدونة طعام فلسطينية تعيش في الولايات المتحدة الأمريكية، تنجذب إلى عوالم الطبخ فهي تجد فيها متعة لا توصف، وتُشارك الطعام العربي بشكلٍ عام والنهكة الفلسطينية بشكلٍ خاص مع العالم حولها وعبر مواقع التواصل.

أما "سوسن" فهي طبيبة أسنان فلسطينية، تعيش في الأردن، يمتلكها شغف الحفاظ على الوصفات التراثية العربية، ولا سيما الفلسطينية، تحرص بشكلٍ دائم على توثيق هذه الأطباق بصورٍ شهيّة تتذوقها العين قبل الفم، وتنشرها عبر مدونة باللغة الإنجليزية، إلى جانب مواقع التواصل.

من نقطة التقائهما، حولتا "سوسن ونادية" جهودهما الفردية إلى فكرة جماعية، وانطلقتا بالحملة  بتاريخ الـ 17 من شهر سبتمبر/ أيلول الماضي، وستنتهي في الـ 25 من شهر تشرين تاني/ نوفمبر الجاري.

وتقوم فكرة الحملة على توثيق الأكل الفلسطيني بشكلٍ منظم ومُلفت للانتباه، فبمجرد البحث على وسم #فلسطين_داري، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ستسرق الصور الكثير من وقتك، وتستسلم للروائح الشهية المنبعثة من المطبخ الفلسطيني، لا إراديًا ينتابك شعور الحنين للماضي ولأكل الجدات، حتى وإن لم تذقه يومًا!

77390168_438830200345689_2837132087226531840_n.jpg
 

13.jpg
 

تستهل نادية طمليه حديثها: "تعرضت الأكلات الفلسطينية والكثير من النهكات والتوابل في السنوات الأخير لمحاولات شرسة لسرقتها ونسبها لمطابخ أخرى، عدا عن أن بعض الوصفات  منسية ولا يتم تداولها".

هذا الأمر وصراع البقاء الذي يعشيه المطبخ الفلسطيني أوجد لدى "سوسن ونادية" شعورًا بالمسؤولية خاصة أنهما مهتمتان بـ "تدوين الطعام"، فأطلقا الحملة.

وحَرصتا أن يكون التوثيق باللغة العربية أولاً، لحفظ الوصفات للجيل القادم، وأن يتم التدوين تحت منصة إلكترونية واحدة، وبالتعاون مع موقع "كوكباد العربية" ليكون حاضنًا لمشروع "فلسطين داري".

وتُعد منصة "كوكباد العربية"، من أكثر المنصات استعمالاً في عملية البحث عن وصفات الطعام في معظم الدول العربية.

وتنقسم الحملة إلى خمسة محاور، لتغطية أكبر قدر ممكن من الأطباق الفلسطينية، وهي: المونة الفلسطينية، والفطور الفلسطيني، وأكلات زيت الزيتون النباتية، بالإضافة إلى الأكلات الرئيسية (تضم أطباق الحساء والسلطة)، أما المحور الأخير فيُركز على الحلويات والمشروبات الفلسطينية.

75492491_771109463302829_3188675508296482816_n.jpg

75485970_567483244012103_1246424123756773376_n.jpg
 

تقول "نادية": "تناقشنا مع منصة كوكباد والمشرفين على هذا المشروع، رولا حداد، وكرستين صوما بالمحاور التي نريد إدراجها  بهذه الحملة والاتفاق على مدة نشرها".

وتُشير إلى أنه تم الاتفاق على إعطاء أسبوعين لكل محور، _الكلام لها_ " نُدرك أن أشهر عديدة لا تكفي لتغطية الأطباق الموجودة بالمطبخ الفلسطيني، لكننا نحاول إعطاء لمَحة عن كل محور".

وقبل البدء فعليًا في المشروع، تمت ترتيبات دعائية لتنظيم الحملة واتساع رقعة فكرتها، وذلك عبر نشر فيديوهات مسجلة لـ "سوسن ونادية" عن المطبخ الفلسطيني، والتواصل المنتظم مع المدونين.

كذلك المنضمون إلى الحملة باشروا في نشر الوصفات المراد توثيقها عبر التسجيل في صفحات جوجل المتخصص بكل محور من محاور الحملة.

وبشغفٍ تواصل حديثها: "لدينا الكثير من المبدعين من جميع أنحاء العالم، الذي يشاركون المطبخ العربي والفلسطيني بمشاركات فردية أو عبر شبكات التدوين الخاصة بهم، يتم نشر معظم هذه الوصفات باللغة الإنجليزية".

هذا كان سببا مهمًا وكافياً لتشجيع "ضيفتا سند" للتعاون مع جميع المدونين بيد واحدة لتوثيق وتنظيم هذه الوصفات باللغة العربية أيضًا، وتحت شعارٍ واحد "فلسطين داري".

73539230_708405603014874_7932298335031918592_n.jpg
 

أيضًا.. وجود معظم هذه الوصفات على منصة واحدة، وبأسلوب منظم سيساعد بذلك على سرعة البحث ولفت الأنظار أكثر إلى الوصفات الفلسطينية والطعام الشعبي، وفقًا لرأي "نادية".

والإنسان عادةً ينجذب إلى لذيذ الطعام والأكلات التي تربي عليها منذ الصغِر، ولا يكاد ينسى طعمها ورائحتها، وهذا ما ركزت عليه الحملة، حيث أعادت تسليط الضوء على وصفات قديمة وغير متداولة، على سبيل المثال عرفت المتابعين بـ "كبة العرب، شختورة السبانخ، ومثلثة البرغل بالباذنجان، فطائر الحلبة، والمش الغزاوي وغيرها الكثير".

وأنت تتنقل بين الصور المنشورة على وسم "فلسطين داري"، ستُدرك أن الفكرة أوسع بكثير من كونها توثيقًا بصريًّا للأكلات الشعبيّة الفلسطينيّة، تُؤكد ذلك "نادية" بالقول: "هدفنا ليس تسليط الضوء على الأكلات وتوثيقها فحسب، بل مشاركة الحكاية والمناسبات التي تواكب هذه الوصفات".

8.jpg
6.jpg
 

تفاعل كبير

3.jpg
 

التدوين على وسم الحملة "فلسطين داري" حظي بتفاعل كبير، تقول "سوسن": "ردود الفعل لهذا المشروع رائعة، فقد مد الكثيرون حول العالم يد المساعدة والمشاركة بهذا المشروع، بما فيهم كِبار سن عاشوا في البلاد وتذقوا طعمها الشعبي".

فكرة الحملة بدأت بنقاشٍ عميق ومطوّل بينهما، لكن دون توقعاتٍ حقيقة حول عدد الوصفات والأكلات التي ستُدرج من المُشارِكات في الحملة، "فلو وثقنّا وصفة فهي إنجاز"، قالت "نادية" لـ "سوسن"، ردتّ: " لتجدا فيما بعد أن نجاحها كان لافتًا، إذ تمكنت من توثيق ما يزيد عن 350 وصفة.

اتسعت ابتسامة سوسن أبو فرحة، وهي تشرح لنا: "لكِ أن تتخيلي أن رقعة التفاعل اتسعت لتشمل دول العالم، فهناك مشاركات من أستراليا، وأمريكا الشمالية، ودول الخليج وبلاد الشام".

وفي عبارتهما الأخيرة خلال حديثهما الشيّق مع "وكالة سند للأنباء" امتلأ الصوت بالفخر: "على هذه الأرض ما يستحق الحياة، ولأجل فلسطين سنظّل ننقل إلى العالم سَحر وجمال الأكلات التراثية، آملين أن تُساهم حملتنا في توثيق رائحة خيرات الأرض وأطباق الجدات".

15.jpg

77340048_913923702342283_842118747442380800_n.jpg

12.jpg

7.jpg
6.jpg
5.jpg

2.jpg
1.jpg


78189248_432890814322258_1132164498895929344_n.jpg

9.jpg

75412148_2862946520382784_1376987070811078656_n.jpg