كشفت تطورات قضية اغتصاب أسيرة فلسطينية من قطاع غزة داخل معسكر “سديه تيمان” عن مستوى غير مسبوق من التدهور القيمي داخل المجتمع الإسرائيلي، بعد أن تحوّل المتهمون إلى موضع احتفاء رسمي وشعبي، بدل محاسبتهم على جريمة موثقة.
وأعاد وزير الجيش الإسرائيلي يسرائيل كاتس، في 16 مارس الجاري، مجموعة من الجنود المتهمين باغتصاب جماعي لأسيرة فلسطينية إلى الخدمة العسكرية، بعد أن التقى بهم واعتذر لهم عمّا وصفه بـ”الخطأ الذي ارتكبه النظام” بحقهم.
وزعم كاتس أن “العدالة تحققت”، مشيداً بقرار إغلاق الملف، وموجهاً الجيش لإعادتهم إلى مواقعهم “بما يناسبهم”.
وجاء ذلك بعد قرار رئيس القضاء العسكري الجديد إيتاي أوفير إغلاق القضية، رغم وجود تسجيل مصوّر يوثق الجريمة، إضافة إلى تقارير طبية تثبت تعرض الضحية لإصابات خطيرة، بينها كسور وثقب في الرئة وتمزقات ناتجة عن اعتداء جسدي عنيف.
تجاهل الجريمة وبشاعتها
لم تقتصر ردود الفعل الرسمية على ذلك، إذ سارع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى الترحيب بإغلاق الملف، واعتبر القضية “فرية” أضرت بصورة (إسرائيل)، في تجاهل كامل لطبيعة الجريمة وخطورتها.
وتحوّلت القضية منذ بدايتها إلى اختبار لطبيعة النظام القضائي الإسرائيلي، حيث أظهرت مجريات التحقيق ضعفاً متعمداً في ملاحقة المتهمين، مقابل تركيز واضح على حماية الجنود.
وبرر القضاء العسكري قراره بوجود “قصور في الأدلة” و”إشكاليات إجرائية”، مشيراً إلى أن الضحية عاد إلى غزة، ما يصعّب استكمال الإجراءات، رغم أن الوقائع المصورة والتقارير الطبية كانت جزءاً أساسياً من الملف.
كما اعتُبر تسريب الفيديو دليلاً إضافياً على “الإضرار بحقوق المتهمين”، في مفارقة تعكس انحيازاً واضحاً لصالح الجناة، إذ تحوّل كشف الجريمة إلى إشكال قانوني، بينما جرى تهميش مضمونها.
وتكشف هذه القضية عن خلل أعمق يتجاوز الإطار القضائي إلى البنية المجتمعية والسياسية داخل دولة الاحتلال الإسرائيلي.
فبدلاً من إثارة غضب عام ضد الجريمة، انصبّ الجدل على كيفية تسريبها، ما أدى إلى ملاحقة المسؤولة عن كشف الفيديو، اللواء يفات تومر-يروشالمي، التي انتهى بها الأمر إلى الاستقالة، في خطوة عكست رغبة المؤسسة في احتواء الفضيحة لا معالجتها.
حلقة في مسلسل طويل
تعيد هذه الواقعة إلى الأذهان قضية الجندي إيلور أزاريا عام 2016، الذي أعدم فلسطينياً مصاباً ميدانياً، حيث حظي لاحقاً باستقبال شعبي ورسمي، رغم إدانته الشكلية.
إلا أن الفارق في القضية الحالية يتمثل في تجاوز مرحلة “العقوبة الرمزية” إلى تبرئة كاملة واحتفاء علني، ما يعكس تحولاً أكثر حدة في المزاج العام.
وتؤشر هذه التطورات إلى تراجع الاعتبارات المرتبطة بالصورة الدولية، مقابل تصاعد خطاب يبرر الانتهاكات ويمنحها غطاءً سياسياً.
ويظهر ذلك في تصريحات المسؤولين الإسرائيليين التي تركز على “حماية الجنود” باعتبارها أولوية، حتى لو كان ذلك على حساب مبادئ العدالة.
كما تعكس القضية مستوى متقدماً من نزع الإنسانية عن الفلسطينيين، حيث تُستخدم أوصاف تحريضية لتبرير الانتهاكات، ما يخلق بيئة تسمح بتكرار مثل هذه الجرائم دون خشية من المساءلة.
وتبعث الرسائل السياسية والقضائية في هذه القضية بإشارات خطيرة، مفادها أن الانتهاكات الجسيمة، بما فيها الاعتداءات الجنسية، يمكن تجاوزها أو تبريرها ضمن سياق الصراع، وهو ما يفتح الباب أمام مزيد من التصعيد في الانتهاكات داخل منظومة الاحتجاز الإسرائيلية.
وتؤكد هذه الوقائع أن القضية لم تعد تتعلق بسلوك أفراد، بل بمنظومة متكاملة توفر الحماية والتبرير، وتعكس توجهاً عاماً يتسامح مع الجرائم بل ويكافئ مرتكبيها، في سياق أوسع من السياسات القائمة على القمع ونزع الإنسانية.
لقراءة نص التقرير كاملا على موقع Mondoweiss أضغط هنا
