حذرت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية من أن قطاع غزة بات رهينة مباشرة للحسابات السياسية الدولية، في ظل ارتباط مسار الحرب ومستقبل التهدئة بقرارات القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، أكثر من ارتباطه بالواقع الميداني أو الاعتبارات الإنسانية.
ورأت الصحيفة أن تطورات الميدان في غزة لم تعد العامل الحاسم في تحديد مسار الأحداث، بل تحولت إلى عنصر ثانوي أمام ثقل القرار السياسي الأمريكي، الذي يواصل توفير الغطاء لدولة الاحتلال، ما يحدّ من فرص فرض أي تغيير حقيقي على الأرض.
ووثقت الصحيفة تصاعد حجم الكارثة الإنسانية غير المسبوقة في القطاع، حيث تجاوز عدد الشهداء عشرات الآلاف، وسط دمار واسع طال البنية التحتية، بما يشمل المنازل والمستشفيات وشبكات الخدمات الأساسية، في ظل استمرار العمليات العسكرية دون توقف فعلي.
ويعكس هذا الواقع، وفق الصحيفة، فجوة عميقة بين حجم المأساة الإنسانية وردود الفعل الدولية، حيث لم تنجح الضغوط السياسية أو الدعوات الأممية في إحداث تحول ملموس في سلوك دولة الاحتلال.
غزة والتوازنات الدولية
أشارت الصحيفة إلى أن المبادرات الدبلوماسية المطروحة لا تزال رهينة التوازنات الدولية، خاصة الموقف الأمريكي، الذي يلعب دورًا محوريًا في تحديد سقف أي تحرك دولي، سواء على مستوى وقف إطلاق النار أو إدخال المساعدات أو إعادة الإعمار.
ونبهت إلى أن هذا الارتباط يجعل أي تسوية سياسية محتملة مرهونة بإرادة القوى الكبرى، وليس بحجم المعاناة الإنسانية في غزة، ما يطرح تساؤلات حول جدوى النظام الدولي في التعامل مع الأزمات الكبرى.
وأكدت أن استمرار الدعم السياسي والعسكري لدولة الاحتلال يمنحها هامشًا واسعًا لمواصلة عملياتها، دون مواجهة ضغوط فعالة تجبرها على تغيير استراتيجيتها في القطاع.
ويتزامن ذلك مع تصاعد الحرب الإقليمية، خاصة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وهو ما أعاد ترتيب أولويات الاهتمام الدولي، وفق ما تؤكده تقارير أخرى للصحيفة، حيث تراجع التركيز على غزة بشكل ملحوظ.
ويشير هذا التحول إلى أن القضية الفلسطينية باتت تتراجع في سلم الأولويات الدولية، لصالح ملفات أخرى تعتبرها القوى الكبرى أكثر إلحاحًا، ما ينعكس مباشرة على حجم الضغط الممارس على دولة الاحتلال.
عدوان إسرائيلي وعالم منشغل
حذرت الصحيفة من أن هذا التراجع في الاهتمام الدولي يوفر بيئة سياسية مريحة للاحتلال، تتيح له الاستمرار في عملياته العسكرية دون رقابة أو مساءلة حقيقية، في ظل انشغال العالم بتطورات إقليمية أوسع.
وبحسب الصحيفة يعكس هذا الواقع خللًا واضحًا في آليات التعامل الدولي مع الأزمات، حيث تصبح القضايا الإنسانية عرضة للتهميش عندما تتقاطع مع حسابات سياسية واستراتيجية معقدة.
ويشير محللون إلى أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة في غزة، مع غياب أي أفق واضح لحل سياسي شامل، في ظل تضارب المصالح الدولية.
وتسلط هذه المعطيات الضوء على محدودية تأثير المؤسسات الدولية، التي تبدو عاجزة عن فرض قراراتها في ظل هيمنة القوى الكبرى على مسار الأحداث.
وتؤكد الصحيفة أن مستقبل غزة سيظل مرتبطًا بشكل وثيق بمواقف هذه القوى، خاصة الولايات المتحدة، التي تمتلك القدرة على التأثير في مسار الصراع، سواء من خلال دعمها لدولة الاحتلال أو عبر الضغط نحو التهدئة.
ولفتت إلى أن هذا الواقع يضع القطاع في حالة انتظار دائم لقرارات خارجية، بدل أن يكون مسار الحل مرتبطًا بإرادة السكان أو بحقوقهم الأساسية في وقت تتعمق الأزمة مع استمرار التدمير الممنهج للبنية التحتية، وتدهور الأوضاع الإنسانية، في ظل غياب حلول عملية تواكب حجم الكارثة.
وشددت الصحيفة على أن أي حديث عن إعادة إعمار أو استقرار مستقبلي يظل مرهونًا بوقف العمليات العسكرية الإسرائيلية أولًا، وهو ما يبدو بعيد المنال في ظل المعادلات السياسية الحالية.
وختتمت الصحيفة بتأكيد أن غزة لم تعد مجرد ساحة صراع محلي، بل تحولت إلى ملف دولي معقد تتحكم فيه الحسابات الجيوسياسية، ما يجعل مصيرها معلقًا بقرارات خارج حدودها، بينما تستمر معاناة سكانها دون أفق واضح للحل.
لقراءة نص التقرير كاملا على صحيفة فايننشال تايمز أضغط هنا
