من المتوقع أن ينتقل مشروع قانون إعدام الأسرى، يوم غد الاثنين، إلى مرحلة المصادقة النهائية عبر القراءتين الثانية والثالثة في الكنيست الإسرائيلي، وسط تخوف كبير من تمريره رغم التحذيرات الحقوقية الدولية المتكررة من تداعيات إقراره.
واقترب مسار إقرار هذا القانون من نهايته، بعد أن دفعت به المنظومة الإسرائيلية منذ سنوات وبلغ ذروته في أعقاب جريمة الإبادة الجماعية، حين ربطت الحكومة القائمة بقاءها السياسي بتمريره حتى غدت المشنقة شعارًا لها.
واستنادًا إلى أوراق صادرة عن مجموعة من المؤسسات الفلسطينية والهيئات الحقوقية العاملة في الداخل الفلسطيني المحتل، لن يسري القانون بأثر رجعي، بل يقتصر تطبيقه على الوقائع اللاحقة لدخوله حيّز التنفيذ.
ويشمل القانون محكمتين منفصلتين؛ المحاكم العسكرية في الأراضي المحتلة عام 1967، والمحاكم المدنية داخل "إسرائيل".
وفي المحاكم العسكرية في الأراضي المحتلة، سيواجه الأسرى الفلسطينيون "المُدانون" بتنفيذ عمليات فدائية أسفرت عن مقتل إسرائيليين عقوبةَ الإعدام الإلزامية، ما لم تُقرَّر المحكمة وجود ظروف استثنائية تستوجب تخفيفها إلى السجن المؤبد.
ويحق للأسير الطعن بالاستئناف، غير أن القرار لن يشترط الإجماع بل سيُكتفى بالأغلبية البسيطة، كما لن يُشترط أن يكون القضاة برتبة مقدم أو أعلى.
أما في المحاكم المدنية الإسرائيلية، فالأسير "المُدان" بقتل سيحكم عليه إما بالمؤبد أو الإعدام، وهذه التراتبية القانونية تحول الإعدام الى عقوبة أولى وأساسية ضد الفلسطينيين.
وهذا القانون لن يطبق على أسرى السابع من أكتوبر الذين تصفهم "إسرائيل" بـ"النخبة"؛ إذ صادقت لجنة في الكنيست على مشروع قانون منفصل بعنوان "قانون محاكمة المشاركين في أحداث السابع من أكتوبر"، ينشئ محكمة عسكرية خاصة مخوَّلة هي الأخرى بفرض عقوبة الإعدام، إلى جانب تدابير أخرى.
وقالت مؤسسات الأسرى، في بيان لها، إن إقرار هذا القانون سيحوّله إلى أداة ضمن منظومة إبادة متعددة المسارات تستهدف الوجود الفلسطيني منذ عقود، لتغدو السجون والمعسكرات الإسرائيلية امتدادًا مباشرًا لسياسات الإبادة وميدانًا مركزيًا من ميادينها.
وشددت أن مشروع قانون إعدام الأسرى ليس وليد اللحظة، "بل هو كامن في المنظومة القانونية للاحتلال التي ورثت جزءاً منها عن نظام الانتداب البريطاني".
غير أن تطبيقه ظلّ مقيَّداً، وقد مرّ بمراحل وتعديلات متعددة، إذ طُرحت في قضايا سابقة دعواتٌ لفرض عقوبة الإعدام بحق مناضلين فلسطينيين، وكانت تلك الدعوات دائماً صدىً للتوجهات السياسية السائدة داخل دولة الاحتلال.
ومع صعود أشد حكومات اليمين الإسرائيلي تطرفاً في تاريخ الاحتلال، تصاعدت الدعوات إلى إقرار القانون بقيادة الوزير المتطرف إيتمار بن غفير، وأعضاء من أحزاب متعددة، وطيف واسع من الكنيست اليميني.
وربطت الحكومة الإسرائيلية مصير ائتلافها بإقرار هذا القانون، وحظي بدعم صريح من رئيسها بنيامين نتنياهو، حتى تحوّل قانون إعدام الأسرى إلى شعار مركزي لحكومة الاحتلال.
وتؤكد المؤسسات أن السعي غير المسبوق لإقرار مشروع قانون الإعدام في أعقاب الإبادة، ليس منفصلاً عن جرائم الاحتلال، بل هو واحد من مئات القوانين العنصرية التي أسَّست لأدوات جديدة لاستهداف الوجود الفلسطيني، وقنّنت ممارسات الإبادة وسياساتها.
ولفتت المؤسسات إلى أن المنظومة الإسرائيلية مارست عمليات إعدام خارج إطار القانون على مدار عقود متتالية، بلغت ذروتها مع اندلاع جريمة الإبادة، وانتهجت طوال تلك العقود سلسلة من السياسات شملت الاغتيالات، والقنص، وإطلاق النار على الحواجز العسكرية التي تحوّلت إلى مصائد لأرواح الفلسطينيين.
وفضلاً عن ذلك، سياسات القتل البطيء والمباشر التي طالت مئات الأسرى في السجون والمعسكرات ومراكز التحقيق.
يشار إلى أنّ ما يزيد عن مئة أسير أعدمتهم "إسرائيل" في أعقاب جريمة الإبادة حتى شكّلت المرحلة الراهنة، المرحلة الأكثر دموية في تاريخ الحركة الفلسطينية الأسيرة.
وتقول مؤسسات الأسرى إن قانون إعدام الأسرى الذي يشكل انتهاكا جسيما ببنيته القائمة، "قد أتاحته حالة عجز وتواطؤ وتخلٍّ كرّستها المنظومة الدولية على امتداد عقود طويلة".
وحذرت هذه المؤسسات من أن قانون إعدام الأسرى، إن أُقرَّ، سيُؤسّس لمرحلة جديدة في تاريخ الحركة الفلسطينية الأسيرة، وهي حركة ناضلت على مدار عقود وشكّلت ركيزة في الدفاع عن الوجود الفلسطيني وصون كرامته.
وكانت لجنة الأمن القومي في الكنيست قد صادقت الثلاثاء الماضي على مشروع القانون تمهيداً لعرضه على الهيئة العامة للتصويت بالقراءتين الثانية والثالثة خلال الفترة المقبلة.
وتتضمن بنود المقترح فرض عقوبة الإعدام بشكل إلزامي، وتنفيذها خلال مدة لا تتجاوز 90 يوماً، دون إمكانية للعفو أو تخفيف الحكم، وفق إجراءات محددة.
وفي السياق، أفادت تقارير إعلامية، أن مصلحة السجون الإسرائيلية بدأت إعداد خطة لتنفيذ أحكام الإعدام، تشمل تجهيز مواقع خاصة ووضع آليات تنفيذية وتدريب كوادر على ذلك.
يُذكر أن نحو 10 آلاف أسير فلسطيني يقبعون في سجون الاحتلال، وسط تقارير عن انتهاكات مستمرة، فيما استشهد أكثر من 90 أسيراً خلال العامين الماضيين، ولا تزال جثامين عدد منهم محتجزة.
