تُظهر الوقائع المتراكمة في القدس المحتلة أن دولة الاحتلال الإسرائيلي تمضي بشكل متسارع في تقويض “الوضع الراهن” الذي ينظم إدارة والوصول إلى المواقع الدينية، في انتهاك واضح للترتيبات التاريخية والقانون الدولي، ما يعمّق التوترات ويهدد بإشعال صراع ديني واسع.
وتضم البلدة القديمة في القدس الشرقية بعضاً من أهم المواقع الدينية في العالم للمسلمين والمسيحيين واليهود، وقد ظلّ “الوضع الراهن” لعقود الإطار الناظم لهذه المواقع، عبر قواعد متفق عليها دولياً تضمن التوازن في الوصول والإدارة.
لكن منذ الاحتلال الإسرائيلي للقدس الشرقية عام 1967، بدأت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة في تقويض هذه الترتيبات بشكل تدريجي، عبر إجراءات ميدانية وتشريعية فرضت واقعاً جديداً على الأرض.
المسجد الأقصى في مرمى الانتهاكات
يُعد المسجد الأقصى أبرز ضحايا هذه السياسات، حيث فرضت السلطات الإسرائيلية قيوداً متكررة على دخول المصلين المسلمين، مقابل تسهيل اقتحامات المستوطنين تحت حماية الشرطة، في خرق واضح للترتيبات التاريخية.
وتتصاعد هذه الانتهاكات بشكل خاص خلال تزامن الأعياد الدينية، حيث تقوم القوات الإسرائيلية بإخراج المصلين الفلسطينيين بالقوة من ساحات المسجد، لإفساح المجال أمام دخول مجموعات إسرائيلية، في مشهد يعكس اختلالاً صارخاً في تطبيق القوانين.
وفي فبراير الماضي، أقدمت سلطات الاحتلال على خطوة غير مسبوقة بإغلاق المسجد الأقصى بالكامل، مبررة ذلك بالحرب مع إيران، وهو إغلاق امتد خلال شهر رمضان وعيد الفطر، في سابقة لم تحدث منذ عام 1967.
ورغم أن القرار شمل منع الإسرائيليين أيضاً، إلا أن المخاوف تصاعدت من نية السماح للمستوطنين باقتحام المسجد خلال عيد الفصح، كما جرى في سنوات سابقة، ما يهدد بإشعال موجة جديدة من التوتر.
استهداف أقدس موقع لدى المسيحيين
لم تقتصر الإجراءات على المسجد الأقصى، بل امتدت إلى كنيسة القيامة، أقدس موقع لدى المسيحيين، حيث أغلقت السلطات الإسرائيلية الكنيسة ومنعت الوصول إليها قبيل عيد الفصح، في خطوة أثارت صدمة واسعة نظراً لندرتها التاريخية.
وتعود جذور “الوضع الراهن” إلى العهد العثماني، حيث صدر فرمان عام 1757 لتنظيم إدارة المواقع الدينية ومنع النزاعات، ثم تم تثبيته دولياً عبر معاهدة برلين عام 1878، ليصبح إطاراً ملزماً يحظر أي تغيير في ترتيبات الأماكن المقدسة.
غير أن دولة الاحتلال، باعتبارها قوة احتلال وفق القانون الدولي، واصلت فرض سيطرتها على القدس الشرقية، رغم أن القوانين الدولية تمنع القوة المحتلة من إجراء تغييرات دائمة على الأراضي المحتلة.
وبعد عام 1967، سيطرت سلطات الاحتلال على الأمن والوصول إلى المسجد الأقصى، مع إبقاء إدارة الشؤون الدينية بيد الوقف الإسلامي، إلا أن هذه الصيغة تعرضت للتآكل المستمر، خاصة منذ الانتفاضة الثانية.
وتشمل هذه الانتهاكات تقليص صلاحيات الوقف، والسماح باقتحامات شبه يومية للمستوطنين، إضافة إلى السماح بأداء طقوس دينية يهودية داخل المسجد، في تغيير جذري لقواعد الوضع الراهن.
كما فرضت دولة الاحتلال قيوداً على أعمال الصيانة داخل المسجد، بالتوازي مع تنفيذ حفريات تحت المجمع، ما يثير مخاوف من أضرار هيكلية وخطر على المباني التاريخية.
شهد المسجد الأقصى على مدار العقود الماضية سلسلة من الاعتداءات، من بينها محاولة إحراقه عام 1969، ومخططات تفجيره في الثمانينيات، إلى جانب اقتحامات متكررة من شخصيات سياسية إسرائيلية.
الأقصى محور توتر دائم
كانت زيارة أرييل شارون للمسجد الأقصى عام 2000 نقطة تحول، حيث أشعلت الانتفاضة الثانية التي أسفرت عن آلاف الضحايا، في دليل على حساسية الموقع وخطورة المساس به.
وفي السنوات الأخيرة، تصاعدت وتيرة الاقتحامات بدعم سياسي مباشر، حيث شارك وزراء ومسؤولون إسرائيليون في هذه الممارسات، وسط تأكيدات رسمية بأن هذه الإجراءات تتم بتنسيق حكومي.
ولم تقتصر التوترات على الأقصى، إذ امتدت إلى مواقع أخرى مثل المسجد الإبراهيمي في الخليل، الذي تم تقسيمه بين المسلمين واليهود بعد مجزرة 1994، وكذلك قبر راحيل في بيت لحم، الذي يخضع لقيود مشددة.
كما شهدت كنيسة القيامة ومواقع مسيحية أخرى توترات متكررة، سواء بسبب القيود الإسرائيلية أو النزاعات بين الطوائف، ما يعكس هشاشة الوضع الديني في المدينة.
لقراءة نص التقرير كاملا على موقع ميدل إيست آي أضغط هنا
