حتى وقت قريب، كانت بلدة بيت امرين، شمال غرب مدينة نابلس شمال الضفة الغربية، بمنأى عن الاحتكاك اليومي مع المستوطنين، وساعدها في ذلك موقعها الجغرافي البعيد نسبيًا عن المستوطنات، لكن هذا الحال تبدّل مع إقامة بؤرة استيطانية على أراضي المنطقة، لتتصاعد بعدها هجمات المستوطنين وتصبح أكثر عنفًا وخطورة يومًا بعد يوم.
وقبل نحو عام، أقام مستوطنون بؤرة رعوية قريبة من بيت امرين، على قمة جبلية مرتفعة يُطلق عليها "بايزيد"، تقع ضمن أراضي بلدة برقة المجاورة، لتشكل امتدادًا لمستوطنة "حومش".
والبؤرة الجديدة مقامة على أراضٍ حكومية، لكنها تتوسع بشكل كبير على أراضي المواطنين، حيث أقام المستوطنون فيها عددًا من الغرف المتنقلة والبركسات، يضعون فيها رؤوس الماشية التي يسرقونها من المواطنين، وعمدوا لاحقًا إلى شق شارع يربط مستوطنة "حومش" بهذه البؤرة.

وتسكن هذه البؤرة مجموعات من "فتيان التلال"، التي تنتشر على طول الجبال الممتدة من برقة وبيت إمرين وجبع، وقد بدأت هذه المجموعات بملاحقة المواطنين ومنعهم من الوصول إلى أراضيهم، والاعتداء عليهم وسرقة ممتلكاتهم، بدعم من قوات الاحتلال.
ومنذ 21 مارس/آذار الجاري، تعيش بيت إمرين الواقعة شمال غربي مدينة نابلس أجواء غير مألوفة من الخوف والإرهاب، نتيجة التحريض المتواصل على البلدة وسكانها عبر منصات المستوطنين، بعد حادثة مقتل المستوطن يهودا شيرمان بحادث سير أثناء فراره بمركبة سرقها من البلدة.
ووجد هذا التحريض ترجمته على الأرض بهجمات يومية تشنها عصابات "فتية التلال" على البلدة، انطلاقًا من البؤرة الاستيطانية الرعوية.

في دوامة الاستيطان..
ويبيّن أكرم الفقيه، رئيس مجلس قروي بيت امرين، أن البلدة حديثة العهد مع إرهاب المستوطنين، إذ دخلت هذه الدوامة قبل نحو عام، عندما بادر مستوطنون إلى إقامة البؤرة الرعوية على جبل بايزيد.
ويقول الفقيه لـ "وكالة سند للأنباء" إن البؤرة بدأت بخيمة و"كرفان"، لكنها مع الوقت أخذت تتمدد على أراضي البلدة، وتطور الأمر بعد أشهر إلى هجمات متكررة على المنازل واحتكاكات يومية مع المواطنين.
وفي الفترة الأخيرة، تصاعدت هجمات المستوطنين، حيث سرقوا جرارًا زراعيًا لأحد المواطنين، ثم سرقوا 35 رأس غنم لمواطن آخر.
ويؤكد الفقيه أن الأهالي لم يعودوا قادرين على الوصول بأمان إلى أراضيهم، ولا يشعرون بالأمان حتى داخل بيوتهم.
وإلى جانب الهجمات والاعتداءات، يواصل المستوطنون تجريف أراضي البلدة وشق طرق استيطانية في أراضٍ خاصة، بعضها يمر في المنطقة المصنفة (أ).
ورغم أن البؤرة الاستيطانية تقع في منطقة (ج)، فإن اعتداءات المستوطنين لا تعرف حدودًا، ولا تميّز بين تقسيمات اتفاق أوسلو، وباتت تطال عمق مناطق (أ) في البلدة، كما يؤكد رئيس مجلسها.
ويقول الفقيه إن المستوطنين يتعمدون المرور في وسط البلدة لاستفزاز الأهالي، لافتًا إلى أن حادثة مقتل المستوطن وقعت جنوب البلدة على مسافة 10 كيلومترات من البؤرة الاستيطانية شمالها.
تصعيد استيطاني وهجمات انتقامية..
وبعد مقتل المستوطن، شن المستوطنون سلسلة من الهجمات الانتقامية، طالت بيت إمرين والبلدات المجاورة، وامتدت حتى جنوب الضفة الغربية، وتخللها اعتداءات على المواطنين وممتلكاتهم، وحرق منازل ومركبات.
واستكمالًا لاعتداءاتهم، بادر المستوطنون بعد أيام من مقتل المستوطن إلى إقامة بؤرة استيطانية ثانية على أراضٍ خاصة في المنطقة المصنفة (أ).
فقد شرع أكثر من 100 مستوطن، فجر الخميس الماضي، بإقامة بؤرة جديدة بين بيت امرين وجبع، ورفعوا عليها أعلامًا إسرائيلية، وعندما توجه الأهالي للتصدي لهم، أطلقوا عليهم النار.
ترقب وتأهب
ويقضي أهالي بيت إمرين أوقاتهم في حالة تأهب، ويسهرون الليل تحسبًا لأي هجوم قد يشنه المستوطنون في أي لحظة.
ويؤكد رضا حسون، أحد سكان البلدة، لـ"وكالة سند للأنباء"، أن وجود البؤرة الاستيطانية قلب حياة الأهالي رأسًا على عقب، وحوّل ليلهم إلى نهار ونهارهم إلى ليل.
ويقول: "في البداية كانت البؤرة منعزلة، لكن مع الوقت بدأ المستوطنون يتمادون ويعتدون على المواطنين والممتلكات".
ونتيجة لذلك، تعطلت أعمال الكثيرين، واضطر البعض إلى نقل أفراد أسرهم من البيوت المتطرفة، كما لجأ بعض أصحاب المواشي إلى نقلها لمناطق وقرى أكثر أمانًا.

ويضيف حسون: "حتى سكان البيوت البعيدة عن البؤرة تأثرت حياتهم وأصبحت في خطر، لأن المستوطنين يدخلون إلى وسط البلدة".
ويضيف: "نتوقع الهجوم في أي لحظة، ولولا يقظة الأهالي لأحرق المستوطنون بيوت البلدة".
سرقة واستفزاز
ويشير إلى أن المستوطنين لم يكتفوا بسرقة قطيع أغنام من أحد المواطنين، بل يجلبون الأغنام المسروقة لترعى بين بيوت البلدة، إمعانًا في الاستفزاز، مضيفًا: "سرقوا الأرض وما فوق الأرض".
وتشتهر بيت إمرين بوجود ثروة حيوانية، إلا أن هذه الثروة تحولت إلى نقطة ضعف يستغلها المستوطنون لإلحاق الخسائر بالأهالي.
المواطن جعفر فقيه سرق المستوطنون قطيع أغنام لعائلته مكونًا من 35 رأسًا، ولم يتمكن من استرداده حتى اليوم.
ويقول فقيه لـ"وكالة سند للأنباء": "توجهنا لاسترداد القطيع، لكن الجيش أجبرنا على العودة دون استرداده، وبعد أيام جاؤوا به إلى محيط البيت، وعندما خرجت لهم رشّوني بغاز الفلفل".

ويعبّر الفقيه عن قلق الأهالي من تصاعد اعتداءات المستوطنين، قائلًا: "نحن سكان البيوت المتطرفة لا ننام الليل خشية اعتداء المستوطنين".
ويشير إلى أن المستوطنين يتواجدون باستمرار في أراضي البلدة، بما فيها المنطقة (أ)، ويمنعون الأهالي من الوصول إليها.
ويرى أهالي بيت إمرين أن هدف البؤرة الاستيطانية هو التنغيص عليهم وبث الخوف والرعب في صفوفهم لدفعهم نحو الهجرة.
ويقول الفقيه: "وضعنا مأساوي، ونشعر أننا نواجه مصيرنا وحدنا"، مشيرًا إلى أن أحد المستوطنين قال لهم: "بقي لكم يومان لتهاجروا من هنا".
ومع ذلك، يشدد الفقيه على الصمود، قائلًا: "مهما فعلوا فنحن صامدون في هذه الأرض، وإذا سرقوا 35 رأس غنم فسنأتي بستين غيرها، ولن يزحزحونا من أرضنا".

وتفيد المعطيات الفلسطينية، بأن عدد المستوطنات والبؤر الاستيطانية في الضفة الغربية تجاوز 542 بين مستوطنة وبؤرة استيطانية، مقسمة على 350 بؤرة استيطانية و192 مستوطنة يقطنها أكثر من 780 ألف مستوطن.
وخلال شهر من اندلاع الحرب الإقليمية الدائرة، نفذ المستوطنون ما مجموعه 443 اعتداءً بحسب رئيس هيئة ومقاومة الجدار والاستيطان مؤيد شعبان.
وذكر شعبان، في بيان سابق له، أن هذا التصاعد جاء في سياق استغلال واضح لحالة الاضطراب السائدة لتكثيف الهجمات على القرى والتجمعات الفلسطينية، موضحًا أن هذه الاعتداءات اتسمت بدرجة أعلى من التنظيم والاتساع، وشملت إطلاق النار المباشر على المواطنين، وإحراق المنازل والممتلكات، إلى جانب فرض وقائع ميدانية جديدة على الأرض.
وبين شعبان أن هذه الاعتداءات تركزت في محافظات نابلس بـ 108 اعتداء، والخليل بـ 99 اعتداء ورام الله بـ 76 اعتداء وبيت لحم بـ 32 اعتداء والقدس بـ 24 اعتداء وسلفيت بـ23 وأريحا وقلقيلية.


