في أزقة غزة، ثمة أصوات لا تعرف الصمت، حتى حين يُراد لها أن تختفي، وضمن سلسلة "حكاياتنا" التي تنتجها "وكالة سند للأنباء"، يبرز صوت جميل مصبح، المؤذن التاريخي لمسجد اليرموك، الذي ارتبط اسمه بهذا المكان لعقود طويلة، حتى صار جزءاً من ذاكرته وجدرانه.
لكن في أكتوبر 2023، تغيّر كل شيء.. قُصف المسجد، سُوّيت مئذنته بالأرض، وغاب المكان الذي قضى فيه الرجل أكثر من أربعة عقود يرفع الأذان خمس مرات يومياً، لحظة واحدة كانت كفيلة بأن تقطع صلته بمحرابٍ أحبّه، وبمهمةٍ عاش لها عمره كله.
يقول المسن جميل مصبح، في حديثه لـ"وكالة سند للأنباء": "لما انقصف مسجد اليرموك شعرت بالخوف والرعب والحزن، لأنني انقطعت عن المسجد وعن الأذان فيه، وانقطع الناس عن الصلاة والعبادة."
لكن هذا الانقطاع لم يدم، فالرجل الذي حفظ الأذان في قلبه قبل أن يرفعه من المئذنة، لم ينتظر إعادة بناء المسجد ليعود إلى مهمته، ببساطة خرج إلى باب بيته.
ويتابع:"كل يوم أؤذن في الشارع على باب بيتي عشان الناس تسمع الأذان، وتعرف وقت الصلاة… حتى أذان الفجر."
هكذا، تحوّل باب منزلٍ متواضع إلى مئذنة، وتحول صوت رجلٍ واحد إلى ذاكرة جماعية تقاوم النسيان، فلم يعد الأذان مجرد نداء للصلاة، بل صار إعلاناً يومياً أن غزة، رغم كل شيء، لم تفقد روحها.
ورغم الألم، يحمل قاسم يقيناً لا يتزعزع: "حتى لو قصفت بيوت الله وانقطع الأذان، سنبقى نصلي ونعبد الله."
قصة المؤذن أبو جمال ليست استثناءً، بل هي جزء من مشهد أوسع من الدمار الذي طال دور العبادة في قطاع غزة.
فبحسب المتحدث باسم وزارة الأوقاف، إكرامي المدلل، فقد سوّت صواريخ وقنابل الاحتلال 738 مسجداً بالأرض تدميراً كاملاً من أصل نحو 1244 مسجداً، أي ما نسبته 79% من مساجد القطاع.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك، إذ تضرر 189 مسجداً بأضرار جزئية، فيما امتد القصف ليطال المصلين أنفسهم داخل المساجد والمصليات.
ولم يكن رجال الدين بعيدين عن هذا الاستهداف، حيث قُتل 255 من العلماء والأئمة وموظفي وزارة الأوقاف، واعتُقل 26 آخرون.
ومن بين أبرز المساجد التي طالتها آلة الدمار: المسجد العمري الكبير، أحد أقدم وأعرق مساجد غزة في قلب المدينة القديمة؛ ومسجد السيد هاشم في حي الدرج، المرتبط بتاريخ المدينة العريق.
وشمل التدمير مسجد كاتب ولاية الملاصق لكنيسة برفيريوس؛ إضافة إلى المسجد العمري في جباليا، المعروف بطرازه المملوكي وتاريخه العريق.
ورغم هذا الخراب الواسع، يبقى صوت المؤذن أبو جمال شاهدًا حيًا على أن الإيمان لا يُقصف، وأن الأذان، حتى وإن فقد مآذنه، قادرٌ على أن يجد طريقه إلى السماء من بين الركام.
