في كل بيتٍ غزّي، كانت هناك ضحكة صغيرة، ودمية تتدلّى من يد طفلٍ لا يعرف سوى البراءة.. كانت الدمى تُصفّ في الزوايا، كأنها تحرس الحلم، وكانت الأمهات يجدن في لعب أطفالهنّ عزاءً يوميًا من قسوة الحصار الطويل.
لكنّ حرب الإبادة الإسرائيلية التي شنها الاحتلال الإسرائيلي منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023، بدّلت المشهد تمامًا، فسكتت الضحكات، وانطفأت ألوان الألعاب، وصار الركام هو المساحة الوحيدة التي تحتمل خطواتهم الصغيرة.
ضحكات كانت تملأ البيوت
"كنت أشتري لهم لعبة كل شهر"، تقول عائشة الجاروشة (40 عاما) النازحة من مخيم الشاطئ، لـ"وكالة سند للأنباء"، وهي تنظر إلى صورة بيتها المهدّم على شاشة الهاتف، "كانت أصواتهم تملأ المكان… اليوم كل شيء راح، حتى أصواتهم تغيّرت".
تضيف بصوتٍ مرتجف: "كان ابني الصغير يحب سيارته الحمراء، بقي يفتش عنها بين الحجارة بعد القصف، ولما لقاها مكسّرة، جلس يبكي عليها كأنها إنسان".
دمى مكسورة تحت الركام
وفي مخيم النزوح وسط قطاع غزة، يجلس آدم سلامة (10 سنوات) فوق بقايا جدارٍ محطم، يصنع كرة من كيس نايلون مهترئ.
يقول لـ"وكالة سند للأنباء" بابتسامةٍ خجولة: "كنا نلعب كورة كل يوم، بس راحت..لكن هلقيتبنعمل وحدة من كيس، المهم نضحك شوي".
أما ميسون العطعوط (9 سنوات) من جباليا، فتروي قصتها مع الخرز الذي وجدته بين الأنقاض قبل أن تنزح من بيتها المهدوم جزئيا: "كانت لعبتي، كانت ألوانها حلوة… جمعتها وبعمل منها أساور لأبيعها، يمكن نشتري بحقها خبز."
اللعب بين الخوف والحرمان
الأخصائية النفسية رهام أبو ندى تؤكد خلال حديثها لـ"وكالة سند للأنباء"، أن "اللعب بالنسبة لأطفال غزة لم يعد وسيلة تسلية، بل شكل من أشكال التحدي والبقاء".
وتضيف: "حين يفقد الطفل لعبته، يفقد معها جزءًا من شعوره بالأمان.. اليوم، أطفال غزة يصنعون ألعابهم من الركام، لكن داخلهم جرح لا يُرى".
في كثير من الحالات، صار الأطفال يخافون من الضحك، لأن الفرح بالنسبة لهم قد يسبق القصف، وقد يوقظ الخطر من جديد، وفق "أبو ندى".
براءة تصرّ على الحياة
ورغم كل هذا الخراب، تظلّ الطفولة في غزة تقاوم بطريقتها، في مخيم دير البلح، يصنع الأطفال طائرات ورقية من أكياسٍ ممزقة، يركضون بها فوق الحجارة، يضحكون رغم الألم، وكأنهم يعلنون أن الطفولة لا تُقصف.
تقول إحدى الأمهات وهي تمسح دموعها: "يمكن الطيارة ما تطير كثير، بس المهم يحسّوا إنهم لسه عايشين، لسه فيهم حلم."
صرخة إلى العالم
في غزة، لا تُصنع الألعاب في المصانع، بل من بقايا الدمار، فاللعب هنا ليس ترفًا، بل مقاومة ناعمة ضد القسوة، ومن بين الركام، يرفعون حجراً صغيراً كأنه كرة، ويرسمون على الجدار ملامح دميةٍ من خيالهم، يهمسون للعالم: "ما زلنا نحب الحياة… حتى لو لعبنا بالحجارة."
