تنتهج سلطات الاحتلال الإسرائيلي سياسة ممنهجة لتجفيف منابع العمل الخيري والاجتماعي في الضفة الغربية، تحت ذرائع وحجج واهية، في ظل اتساع دائرة الاستهداف لتطال ركائز المجتمع الفلسطيني، بالتزامن مع تصاعد الإجراءات بحق المؤسسات الخيرية.
تجلّى ذلك، في ما تعرضت له الجمعية الخيرية الإسلامية في الخليل مؤخرًا، من اقتحامات وإغلاقات واعتقالات طالت موظفين فيها، في خطوة يرى فيها مختصون محاولة لضرب منظومة التكافل الاجتماعي وتجفيف مصادر الدعم لآلاف الأيتام والأسر المحتاجة.
وفي أحدث هذه الإجراءات، اعتقلت قوات الاحتلال رئيس الجمعية ووزير الأوقاف السابق حاتم البكري، إلى جانب مديرها العام عماد الجعبة، وعدد من الموظفين، وأعادت إغلاق مقرها، وهو ما ترى فيه الجمعية ومختصون جزءًا من سياسة ممنهجة تستهدف المؤسسات الفلسطينية وتسهم في إفقار المجتمع وملاحقته.

وتعرّف الجمعية الخيرية الإسلامية نفسها بأنها مؤسسة إنسانية مستقلة مرخصة من وزارة التنمية الاجتماعية الفلسطينية، تعمل في الضفة الغربية دون تمييز أو انخراط سياسي، وتقدم خدماتها لأكثر من 6 آلاف يتيم ويتيمة، ينتمون إلى نحو ألفي أسرة.
وتأسست الجمعية عام 1961 على يد شخصيات فلسطينية إسلامية التوجه، وتدير 9 مدارس في الخليل.

إغلاقات متكررة..
من جهته، يقول عضو الهيئة الإدارية للجمعية، جويد التميمي، إن الاحتلال أغلق المبنى الإداري للجمعية عام 2023 باستخدام اللحام الكهربائي، وبعد عدة أشهر أعيد فتحه، قبل أن تعود قوات الاحتلال وتغلقه مجددًا بالطريقة ذاتها من الداخل والخارج.
ويضيف التميمي، في حديثه لـ "وكالة سند للأنباء"، أن سلطات الاحتلال استولت على أجهزة حاسوب وملفات خاصة بالأيتام وهواتف خلوية، وأموال، وأغلقت المدخل الرئيسي بألواح حديدية في 21أكتوبر/ تشرين الأول 2025، مشيرًا إلى أن الاحتلال عاد مؤخرًا واقتحم الجمعية، وأغلق مبنى معهد صائب الناظر للتعليم والتدريب المهني والتقني في 14 أبريل/ نيسان الجاري.
وألصقت قوات الاحتلال أوامر تفيد بـ "إغلاق تام" للجمعية خلال الاقتحام الأخير، وثبتت ألواحًا حديدية على الأبواب، كما استولت على عدد من الأجهزة الإلكترونية والحواسيب، وملفات خاصة بالجمعية والمعهد، إضافة إلى أجهزة تسجيل كاميرات المراقبة (DVR).
نشاط إنساني واجتماعي..
ويؤكد التميمي أن عمل الجمعية يقتصر على رعاية الأيتام والنشاط الإنساني والاجتماعي، بعيدًا عن أي انتماءات أو أجندات سياسية، مشددًا على أن دورها تكافلي وإصلاحي مستقل، يهدف إلى خدمة الأيتام والإسهام في بناء مجتمع فلسطيني كريم.

ويشير "ضيف سند"، إلى أن الجمعية لا تزال تواصل تقديم خدماتها رغم صعوبة الظروف، لافتًا إلى أن ما تبقى من نشاطها يقتصر على المدارس التي تخدم الأيتام في المدينة، مؤكدًا استمرار العمل لخدمة الأسر الفقيرة والمحتاجة في محافظة الخليل.
وفي تعقيبه على إغلاق الجمعية، يشدد التميمي على عدم جود مبررات لإغلاقها، مؤكدًا أن الاحتلال لم يقدم أي ذرائع قانونية واضحة.
وأوضح أن الجمعية تسعى للجوء إلى القضاء الإسرائيلي لإعادة فتح مقارها.
قانون بريطاني قديم..
ولم تقتصر ملاحقات الاحتلال على الجمعية الخيرية الإسلامية، بل طالت مؤخرًا جمعية الشبان المسلمين في الخليل، حيث أُغلقت أبوابها واعتُقل عدد من موظفيها.
ويرى الباحث الحقوقي في مركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان، هشام الشرباتي، أن سلطات الاحتلال تتذرع بالحجج الأمنية، وتستند إلى قوانين بريطانية قديمة لملاحقة المؤسسات الفلسطينية في الضفة الغربية، رغم قدرتها على اعتقال الأفراد دون الحاجة لإغلاق هذه المؤسسات.
وأوضح الشرباتي، في حديثه لـ"وكالة سند للأنباء"، أن "هاجس الأمن" يهيمن على سياسات الاحتلال، حيث لم تعد الإجراءات تقتصر على الأفراد، بل امتدت لتطال مؤسسات اجتماعية قائمة منذ سنوات طويلة، وتحمل تراخيص رسمية، وتعمل تحت رقابة السلطة الفلسطينية.
ويضيف: "هذه المؤسسات تؤدي دورًا مهمًا في رعاية الأيتام ودعم الفئات الفقيرة والمهمشة، واستهدافها يأتي في إطار ضرب أحد أعمدة الصمود والتكافل الاجتماعي الفلسطيني".
سياسة إفقار وتهجير..
وتندرج هذه الانتهاكات والإجراءات الإسرائيلية بحق مؤسسات العمل الخيري، وفق الشرباتي، ضمن السياسات الإسرائيلية التي تهدف إلى زيادة إفقار المجتمع الفلسطيني، ودفع السكان نحو الهجرة، بما يتماشى مع توجهات الحكومة الإسرائيلية الحالية، التي يعبر عنها وزراء مثل سموتريتش وبن غفير.
ويبيّن ضيفنا، أن هذه الإجراءات تمثّل شكلًا من أشكال العقاب الجماعي، وتتعارض مع مبادئ العدالة، كونها تستهدف شرائح واسعة من المستفيدين من خدمات الجمعيات الخيرية.

ويسعى الاحتلال إلى تضخيم هذه الإجراءات في الإعلام الإسرائيلي، لتقديمها على أنها "إنجازات أمنية"، بهدف كسب دعم الرأي العام وتعزيز خطاب التخويف وتبرير السياسات المتشددة بحق الفلسطينيين، وفق الشرباتي.
