في قلب الجدل المتصاعد حول تمويل التعليم في فلسطين، يبرز اسم معهد "امباكت سي" كأحد أكثر الجهات تأثيرًا وإثارةً للانتقاد، وسط اتهامات متزايدة بتسييس عمله وتوظيفه كأداة ضغط على المناهج التعليمية الفلسطينية.
فبينما يقدّم المعهد نفسه كمركز بحثي مستقل يُعنى بتقييم المناهج وفق معايير دولية، تشير معطيات وتقارير متعددة إلى تبنيه مقاربة منحازة تخدم الرواية الإسرائيلية، من خلال تضخيم مضامين محددة في الكتب المدرسية الفلسطينية وعرضها في سياقات توحي بوجود تحريض منهجي.
وبحسب ما تابعته "وكالة سند للأنباء"، اليوم السبت، فإن تقارير المعهد وجدت طريقها إلى دوائر صنع القرار في أوروبا.
واستُخدمت هذه التقارير داخل البرلمان الأوروبي لتبرير دعوات ربط المساعدات المالية المقدمة للسلطة الفلسطينية بإجراء تعديلات على المناهج.
وفي هذا السياق، لم يعد ملف المناهج التعليمية شأناً تربوياً بحتاً، بل تحوّل إلى أداة ضغط سياسي مباشرة، تنعكس على حق آلاف الطلبة الفلسطينيين في الحصول على تعليم مستقر وممول.
وتجلى ذلك بوضوح في قرار البرلمان الأوروبي الصادر في 29 أبريل الماضي، حيث صوّتت أغلبية من 443 نائباً مقابل 202 على تجميد جزئي ومشروط للتمويل المخصص لقطاع التعليم الفلسطيني، بذريعة وجود مضامين تحريضية في المناهج.
وجاء القرار بدعم كتل حزبية مختلفة، في ظل ضغوط متواصلة تمارسها جماعات لوبي داعمة لـ"إسرائيل" داخل الاتحاد الأوروبي، لربط المساعدات الإنسانية والتعليمية بتغيير الرواية الوطنية الفلسطينية في الكتب المدرسية.
وطالب النواب الأوروبيون بإجراء تعديلات جذرية، تشمل إزالة مضامين تتعلق بالمقاومة والجهاد وحق العودة، معتبرين أنها تتعارض مع معايير منظمة "يونسكو".
وفي سياق الانتقادات الموجهة للمناهج، استند معهد "امباكت سي" إلى أمثلة من الكتب المدرسية الفلسطينية، فسرها بطريقة أثارت جدلاً واسعاً.
واعتبر أن الدروس التي تتناول الشهداء والتضحية من أجل الوطن تمثل تمجيداً للعنف وتشجيعاً للطلبة على الاقتداء بذلك، رغم أنها تُعرض في سياق وطني.
وانتقد المعهد الخرائط الواردة في المناهج الفلسطينية، مدعياً أنها لا تُظهر "إسرائيل" وتعرض كامل الأرض على أنها فلسطين، معتبراً ذلك إنكاراً للواقع ومساهمة في تغذية الصراع.
وفي السياق ذاته، اعتبر أن استخدام الرموز الوطنية كالعلم الفلسطيني أو عرض شخصيات تاريخية مقاومة يندرج ضمن تمجيد العنف أو النضال المسلح.
في المقابل، تؤكد دراسات أوروبية وعربية متعددة أن هذه التفسيرات تعكس انحيازاً واضحاً، وتشير إلى وجود خلل بنيوي في منهجية المعهد، خاصة في خلطه بين القيم الوطنية الفلسطينية ومفاهيم الإرهاب.
ويُعد تقرير معهد "جورج إيكرت"، الممول من الاتحاد الأوروبي بين عامي 2019 و2021، من أبرز المراجع الأكاديمية التي فندت العديد من استنتاجات "امباكت سي".
وخلص التقرير إلى أن بعض الاتهامات الموجهة للمناهج الفلسطينية مبالغ فيها أو غير دقيقة، مشيراً إلى مشكلات منهجية في تقارير المعهد، من بينها الاقتباس خارج السياق وأخطاء في الترجمة.
ووصفت ورقة تحليل صادرة عن مشروع الشرق الأوسط الأوروبي المعهد، أنه غير محايد وغير موثوق، معتبرة أنه يعتمد على تضخيم الاستنتاجات ويُسيء تمثيل نتائج الدراسات الأوروبية.
بدورها، ترى منظمات فلسطينية مثل مركز "بديل" أن "امباكت سي" يمثل جزءاً من استراتيجية سياسية إسرائيلية، ويستخدم تقاريره للضغط على المانحين الدوليين، من خلال المساواة بين الهوية الوطنية الفلسطينية والتحريض على العنف.
وفي تصعيد لافت، أصدر المعهد في نوفمبر 20251، تقريراً موسعاً شمل فحص 290 كتاباً مدرسياً و71 دليل معلم، زعم فيه أن المناهج الفلسطينية لم تشهد تغييرات جوهرية.
واتهم المعهد السلطة الفلسطينية بخداع المانحين عبر تقديم نسخ رقمية معدلة، مقابل استمرار استخدام كتب مطبوعة وصفها بـ"التحريضية".
وتضمن التقرير اتهامات لمناهج العلوم والرياضيات باستخدام أمثلة مرتبطة بالشهداء والعمليات القتالية، وهي مزاعم استُخدمت لاحقاً كمرجعية رئيسية في نقاشات البرلمان الأوروبي لعام 2026.
وفي المقابل، نفت وزارة التربية والتعليم الفلسطينية في فبراير 2026 إجراء أي تعديلات تمس الثوابت الوطنية.
وأكدت أن تطوير المناهج يخضع لسيادة وطنية، محذرة من أن الضغوط الأوروبية تستهدف تغيير الرواية التاريخية الفلسطينية.
